السبت، 4 يناير 2014

خمسون عاما على رحيل كنيدي

مقال منشور في عدد  يناير 2014 من مجلة العربي الكويتية



لم تكن قد مرّت ساعة على تعرض الموكب الرئاسي للرصاص، حين أعلن وولتر كرونكايت، مذيع شبكة التليفزيون “سي بي إس”، وهو يبدل مضطربا موقع نظارته ليواريَ دمعه، أن الرئيس الخامس والثلاثين للولايات المتحدة قد لقي مصرعه.

كان لاغتيال جون كنيدي وقعُ المأساة. فبُعَيْد انطلاق الرصاصات الثلاث القاتلة في مدينة دالاس في خريف العام ١٩٦٣، بث هؤلاء الذين نعوا كنيدي شعورا جمعيا بأن الموت الذي عاجل الرئيس الشاب قد حال بينه وبين إكمال مشروعه. وإن قصد النّاعون أبعادا مختلفة ومعاني متباينة لذلك المشروع. فحفلت تعليقات الكتاب وافتتاحيات الصُحُف بمفردات “النهاية قبل الأوان،” ثم بالسؤال المنبثق من ذلك المعنى، والذي شغل كُتّابا ومؤرخين لأعوام وعقود تالية: “ماذا لو لم يُقتل كنيدي في ولاية الجنوب تكساس، في الثاني والعشرين من نوفمبر؟”


بعد نحو شهر من الاغتيال، نَعَتْ حنا أرِنت، الكاتبة الشهيرة، جون كنيدي والبابا يوحنا الثالث والعشرين (الذي رحل قبل كنيدي بأشهر على أثر الإصابة بسرطان المعدة) فقالت: “الراحلان كلاهما غادرا قبل الأوان كثيرا، وذلك باعتبار المشروع الذي بدأه كل منهما ولم يكمله. وقد تغير العالم وأظلم حين سقط في الصمت صوتاهما. ورغم ذلك، فإن حياتيهما قد غيرتا العالم، ولن يعود العالم أبدا لما كان قبل أن يرى هذين الرجلين.”

فما الذي تغير برئاسة كنيدي الولايات المتحدة لألْفٍ من الأيام؟ هل فقد الأميركيون بموته رمز الأمل في عهد ما بعد الحرب الكبرى؟ أكان ثمة فجوة بين أقواله وأفعاله واضطراب في صياغة مواقف بلاده، حسبما كتب في العام ١٩٦٦هانز مورغنثاو؟ وهل كان أثر كنيدي على المزاج الأميركي محصورا في سياساته كرئيس، أم في قصته (وآلامه) كشخص لم يكن براءا من العيوب، عاش حياة أغلبها في الوعي العام؟

وماذا لو لم يُغتل كنيدي، وأمهله الرصاص لإكمال فترته الرئاسية الأولى، واستمر بعدها لفترة ثانية حسبما كانت خططه؟ أكان يتغير مسار تاريخ الولايات المتحدة داخليا أو في علاقاتها بالأعداء والحلفاء؟ أكان يتغير مسار الحرب الباردة، أو تتبدّل طبيعة العلاقة بين البيض والسود ومسار حقوق المواطنة؟ أكان الرئيس الشاب، الذي كثيرا ما بشّر في خُطبه بقيم الحرية لكل البشر، يوجه الولايات المتحدة لمسلك غير الذي سلكته (عبر أجهزة الاستخبارات) في سعيها لإسقاط أو إضعاف الأنظمة المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي أو المناوئة للقطب الغربي؟

وإذ تعبر بنا هذا العام الذكرى الخمسون لرحيل كنيدي – ذكرى الاغتيال في الثاني والعشرين من نوفمبر ١٩٦٣ — لا يزال السعى متصلا للإجابة عن طرف من تلك الأسئلة. وآية ذلك ظهورُ طيفٍ جديدٍ من الكتب والأفلام (والصور على أغلفة المجلات السيارة) عن كنيدي التي صاحبت الذكرى. ورغم أن نحو أربعين ألف كتاب قد تناولت حياة وموت كنيدي منذ صعوده إلى سُدَّة الحكم في العام ١٩٦١، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز،" فإن أثره لا يزال "مراوغا،" كما كتبت "جيل أبرامسن" المحرر التنفيذي للصحيفة الأميركية واسعة الانتشار.

هذا الاستعصاء وهذه المُرَاوغة، في جانبٍ منهما، مردُّهما إلى قِصر ما قضى كنيدي في الحكم، ثم لاغتيال شقيقه “روبرت” (وكان النائب العام في عهد أخيه) في العام ١٩٦٨، ثم لحرص آل كنيدي، من زوجته وإخوانه ومن عملوا في إدارته، على التحكم في رواية التاريخ عن الرئيس الشاب. ومن ذلك، مثلا، أن بعض الحوارات المسجلة لزوجة كنيدي، جاكلين، لن تتاح قبل العام ٢٠٦٧.

فماذا بقي من كنيدي، في السياسة الأميركية وفي الوعي الأميركي، بعد خمسين خريفا من رحيله ظهيرة ذلك اليوم البعيد من نوفمبر؟

الأحد، 7 يوليو 2013

الثلاثون من يونيو وتبرئة الضمير الجمعي للمصريين

شهد عام د. مرسي في الحكم مواقف عديدة من التمييز ضد مواطنين مصريين، والذي بلغ أحيانا الاضطهاد والعنف والقتل. لو لم يعرف المصريون من رذائل حكم د. مرسي و"الأخوان المسلمون" سوى هذا لكفاهم سببا للانتفاض وإنفاذ التغيير.

ومشاهد التمييز عديدة ومتمايزة الدرجة. لعل أبسطها كان التمييز ضد غير المسلمين في لغة (وأماكن) خطابات الرئيس السابق. ثم كان التمييز ضد غير الأخوان في المناصب القيادية في الدولة. ثم التمييز ضد المسلم غير السني كما كان في صمت الرئيس السابق أواسط يونيو الماضي لدى الإساءة للشيعة في حضوره، ما ارتقى للتحريض المباشر، والذي ترجمه بُعيد ذلك بأيام موتورون مجرمون لحادث مُروع قضى فيه أبرياء منتمون للمذهب الشيعي (وشمل اللقاء الجماهيري أيضا شيطنة للمختلفين سياسيا ودعوات بأن ينزل الله بهم أشد العقاب).  وقبل ذك كله وخلاله الأمثلة لا تُحصى على التمييز ضدالمصريين من المسيحيين، في أحاديث قادة الأخوان وأعضائهم والمتحلقين حولهم.

أمام تلك الحلقات من التمييز ضد مصريين، كان لدى عموم الشعب المصري خياران. أولاهما أن لا يشاركوا في ممارسات التمييز وأن يرفضوها بالقلب أو القول حين تسنح الفرصة. والثاني أن يرفضوها بالفعل، بالسعي لإسقاط هيكل الحكم الذي يغذي ذلك التمييز ويُمنهِِجُه. ورغم أن نزول المصريين بالملايين في الثلاثين من يونيو كان لأسباب عديدة، فليس من المبالغة القول إن سببا منها كان رفض البعد التمييزي الذي بدا كجزء من بنية نظام حكم الأخوان. وقد رفض أغلب المصريين، فيما يبدو، تحمل شعور الإثم الجمعي (كما حدث للألمان على أثر الجرائم ضد اليهود أو للأوروبيين على أثر جريمة استرقاق الأفارقة) لجرائم تمييز لم يقترفها سوى فصيل سياسي واحد ضمن الطيف السياسي في مصر المعتدل/الوسطي في أغلبه.

ولست أقصد من ذلك أن أزعم أن الشعب المصري صار يؤمن بالقيم الليبرالية من نوع الحرية المطلقة للأفراد في المعتقد والتعبير وغيرها. فلا شك أن مكونات تمييزية/استبدادية/متطرفة تسربت لمسالك التفكير لدى نفر غير قليل من المصريين خلال العقود الماضية. ولكن حتى لدى هؤلاء، كان الخوف من الآخر المختلف دينيا أو طائفيا يتوقف غالبا عند التمييز السلبي (مثلا بتحاشي الاختلاط). أما تحت حكم الأخوان فقط رأينا حالة من التمييز العنيف والممنهج، والذي لم يرُق لأغلب المصريين فيما يبدو، بمن فيهم هؤلاء الذين يقبلون بطرف من التمييز السلبي على طريقة "دعهم في حالهم؛ لهم دينهم ولي ديني."

لو نظرنا للأمر من هذه الزاوية لوجدنا بعدا حتميا في انتفاضة الثلاثين من يونيو. والمقصود هنا، كما قال كتاب وأكاديميون كثر، أن عمومية الشعب المصري رفضت ضمن ما رفضت في حكم الأخوان "تطبيع" التمييز، أي جعله أمرا طبيعيا ومقبولا، حتى لو سيق لتبرير ذلك نصوص مقدسة. ومن ثم، فإن المشهد الملاييني في الثلاثين من يونيو كان في وجه من وجوهه تبرئة للضمير الجمعي المصري من وصمة قبول التمييز ضد مصريين والانتقاص من كرامتهم. 

الخميس، 4 يوليو 2013

"انقلاب" نباهي به العالم

من حق كل منا أن يخطئ التقدير أو يتلعثم في البيان. ولكن يثير الانتباه ويدعو لمحاولة سبر الغور ذلك الذي يشبه الإجماع لدى كثرة غالبة من الأخوة العرب من غير المصريين في رفضهم القاطع أن تكون أحداث الثالث من يوليو تعبيرا ما عن الإرادة الشعبية.

كتب، مثلا، أحد الأصدقاء، على تويتر:
"ألا يفهم متظاهرو #التحرير أن الجو الذي جعلهم يخرجون للميادين ويرددون الشعارات ملء أفواههم دون خوف هو الديمقراطية التي يغتالونها ببلاهة؟"

وكتب زميل سابق:
"ما حدث بمصر يعطينا دروسا في أساليب حشد الغوغاء، وخطورة الإعلام، والمال السياسي، والأهم حقيقة أن الجيش في مصر هو الدولة ومصدر السلطات."

 وثمة أمثلة عديدة غير ما أسلفت. 

والسؤال إذن: لماذا هلل وتهلل هؤلاء في ١١ فبراير لدى إسقاط مبارك ولم يبادروا للفعل ذاته لدى إسقاط مرسي في الثالث من يوليو، رغم أنهما كليهما تعبير عن الإرادة الشعبية الغالبة (فلم يكن كل المصريين ضد مبارك في الأولى ولا مرسي في الثانية)؟

حاولت الإجابة من أيام عبر التمييز بين الديمقراطية كفكرة والديمقراطية كفعل. وذهبت إلى أن أغلب أخواننا غير المصريين تركز بصرهم على الفكرة، أي على مبدأ أن من أتى بالانتخابات لا يذهب بغيرها، بينما يراها المصريون الذين عاشوا حقبة مرسي باعتبارها لحظة التقاء الفكرة/المبدأ بالواقع، واعتمال تلك الفكرة في الواقع اليومي. ومن ثم، فمفهوم الديمقراطية لدى ملايين المصريين الذين خرجوا لرفض د. مرسي أثرت فيه ملابسات الحياة اليومية (من إدارة لشؤون البلاد وتوفير الأساسيات مثل الكهرباء والبنزين) مما لا يحوزه نظر من يعيش خارج الظرف المصري.

ولكن لما بدا ما بدا من رفض للإرادة الشعبية الغالبة (لكل من أبقى عينيه مفتوحتين خلال الأسبوع الماضي)، فسأقترح هنا سببين آخرين كامنين لرفض كثير من العرب غير المصريين إرادة جموع المصريين هـذه المرة والإساءة لها والاستعلاء عليها. الأول أن الحفاوة بإسقاط مبارك في فبراير ٢٠١١ تعلقت بمبارك أكثر مما تعلقت بالإرادة الشعبية للمصريين.  ففضلا عن كراهية المصريين له، كما تجلت في النهاية في الإطاحة به، كان الرئيس المصري السابق محط كراهية الشارع العربي لأسباب عديدة. منها خاصة موقفه من حصار غزة (والهجوم الإسرائيلي عليها في ٢٠٠٩) واعتباره في نظر الكثيرين (ولأسباب معقولة) أحد المنفذين الأساسيين للسياسية الأميركية في المنطقة.

كان ثمة ائتلاف من الكارهين إذن لمبارك. فلما ثار المصريون ضده بارك الكارهون إسقاط من قامت ضده الثورة وليس بالضرورة عزيمة وإرادة من ثار.  وتبدى ذلك حين تجلت تلك العزيمة وتلك الإرادة مجددا خلال أحداث الأسبوع المنصرم في رفض جر البلاد لحرب أهلية، ورفض الفقر المدقع في القدرة على إدارة البلاد، ورفض العودة لطرائق حكم من العصور الوسطى. فما كان من ائتلاف كارهي مبارك إلا أن نعتوا المصريين بالغوغاء، وغياب الإرادة (يحركهم المال وشاشات التليفزيون) وسلوكهم بالبلاهة.

فإن كان الأمر متعلقا بمبارك في الماضي، ولما لم يعد مبارك جزءا من المشهد الآن، فما سبب تطوع كثيرين بنقد منحى الإرادة الشعبية المصرية الآن؟ أحد جذور ذلك في ظني أن الكثيرين متشربون بالخطاب (والمشروع) الإسلامي، والذي يرى غاية الحكم في إرضاء الرب بدلا من الشعب، أو على حساب الأخير. فكثير من هؤلاء نما وعيه السياسي ضمن أحلام ووعود مشروع إسلامي للحكم، ولم يتحملوا أن يتضعضع بنيانهم هكذا على عجل، كهياكل المومياوات، أمام أول هبة شعبية.

ومن ثم سيسمونه انقلابا. وهذا شأنهم. أما لماذا يميل المحللون الأجانب لمفهوم الانقلاب فهذا حديث لمداخلة أخرى.

أغلب المصريون فرحون، وفرحهم مستحق.  فإن أسماه البعض انقلابا، فغيرهم كثر يدركه كتعبير ثري عن إرادتنا الجمعية. فالأسماء ليست الأشياء. واكتمال تبلور تلك الإرادة لن يظهر إلا حين يترسخ مسار التحول الديمقراطي في مصر باتجاه وطن يرحب كل المصريين بغير تمييز من أي نوع.  وخلال ذلك الحين، إن أسموه "انقلابا" فليكن. وبه نباهي العالم.


الجمعة، 24 يوليو 2009

التحقيق الصحافي العلمي في الكتابة العربية

وليد الشوبكي

ورقة قدمت في اجتماع المنظمة العربية للعلوم والتربية والثقافة (ألكسو) للصحافيين العلميين | دمشق، سوريا
13 يونيو/حزيران 2009

في صباح السابع عشر من يونيو/حزيران بالعام 1972 تلقى صحافي شاب بصحيفة الواشنطن بوست مهمة تغطية ما بدا أنها حادثة سرقة في مقر الحزب الديمقراطي في واشنطن. لم يتحمس الصحافي كثيرا، وكان قد التحق بالـ "بوست" قبل ذلك بتسعة أشهر فحسب. ولكنه ذهب لمقر البوليس على أية حال. أثمرت هذه البداية المتواضعة ما قد يكون أعظم لحظات المجد في تاريخ الصحافة قاطبة. فبعد نحو عامين من التغطية لسلسلة الانكشافات التي بدأت بذلك اليوم من حزيران، اضطُر الرئيس الأميركي نِكسون للتنحي على أثر فضيحة الفساد التي اكتشفها وفصّلها بشجاعة ذلك الصحافي الشاب (بوب وودورد) وزميله (كارل برنستين). وكانا كلاهما في بدايات العِقد الرابع من العمر.

في العالم العربي، بالمقابل، نجد دورا أضعف للتحقيق الصحافي. وقد ذكر ذلك الصحافيُّّ المرموق محمد حسنين هيكل غير مرة بقوله أن ثمة غَلبة لصحافة الرأي في العالم العربي على صحافة الخبر. والمقصود أن ثمة نزوعا في العالم العربي لتدبيج مقالات الرأي بدلا من إنشاء المقالات المعتمدة على النقل الصحافي، أي التحاور مع ذوي الشأن في القضية محل النظر، ثم عرض الأراء المختلفة في تدرجها عبر طيف الألوان، وليس كصراع في ثنائية الأبيض والأسود.

وليست الصحافة العلمية استثناءً في زهدها في التحقيق الصحافي ونأيها عنه. فللكتابة العلمية (ولا أقول الصحافة العلمية) في العالم العربي رافدان: مقالات الرأي ومقالات التحليل المعتمدة على البحث أو الترجمة أو كليهما. أما الصحافة العلمية العربية، أي المعتمدة على التحقيق الصحافي (عبر عرض أراء آخرين) فدورها ضئيل. وغالبا ما يعتبرها الصحافيون مرحلة انتقالية "يضطرون" لخوضها في بدايات عملهم الصحافي، ثم يهجرونها لكتابة مقالات الرأي ما إن يتكون لهم شيء من رصيد الثقة لدى القراء. 

الثلاثاء، 28 أبريل 2009

حياتي مع "فيستا": من المناطحة إلى المصالحة

صارت الحواسيب – وأنظمة التشغيل التي تديرها – جزءً محوريا من حيواتنا. ولكنها ليست دوما الجزء الأسعد. ما يلي جانب من كفاح رجل أعزل على جبهة أنظمة التشغيل.

وليد الشوبكي | إسلام أونلاين

فكرت وقدرت، وترددت وتلعثمت، ثم في النهاية قررت أن أشتري حاسوبا بنظام "ويندوز فيستا". وكان ذلك قبل بداية ربيع العام 2007 بأيام قلائل. أما التردد فكان راجعا لما قرأت من تعقيبات صحافية وتحليلية حول نظام "فيستا" الذي أصدرته مايكروسوفت أوائل 2007. وكان الرأي الغالب أن "فيستا" بطيء وغير متوافق مع البرمجيات التي طُوّرت لسلفه "إكس بي"، وأنه يستهلك الطاقة الحاسوبية (للمعالج ولشريحة الذاكرة RAM) بنهم، ومن ثم فإنه يحتاج إلى عتاد حاسوبي ذي إمكانيات عالية.

السبت، 18 أبريل 2009

الحوسبة في حقبة ما بعد الحاسوب الشخصي

نستطيع تفسير أغلب التطورات الحديثة في ميدان تقنيات المعلومات بإرجاعها لثلاثة متغيرات أساسية. وفي كل منها زادت القدرة بينما انخفضت الكلفة: قدرة المعالجات الحاسوبية، سعة التخزين الرقمية، وسعة نقل البيانات عبر الشبكات (bandwidth). 


قد يبدو الأمر غير ذلك، ولكن ثمة قاسما مشتركا بين محرك البحث جوجل وظاهرة "الحوسبة الُموزّعة" (cloud computing) وشبكة "فايسبوك،" والنماذج الحاسوبية لتغير المناخ وهاتفك النقال وموقع "يوتيوب" والإصدار الأخير من نظام تشغيل "ويندوز". ذلك أن هؤلاء جميعهم يرتكزون في عملهم، أو في لب وجودهم، على الأثر الجمعي لثلاثة عوامل: تزايد كفاءة المعالجات الحاسوبية مع تراجع كلفتها (أو ما يُعرف بـ "قانون مور")؛ تزايد قدرة وسائط التخزين الرقمي مع انخفاض كلفتها؛ وارتفاع قدرة شبكات نقل البيانات (bandwidth) مع تناقص كلفتها.

الأربعاء، 31 ديسمبر 2008

مايكروسوفت وحقبة بل جيتس: كشـف حسـاب

إذ يغادر بيل جيتس منصبه التنفيذي على رأس مايكروسوفت ليتفرغ لمؤسسته الخيرية، فإنه يترك وراءه شركة تمس بمنتجاتها شتى أوجه حياتنا منذ سبعينيات القرن الماضي. ويُخلّف وراءه أيضًا مسألة الاحتكار التي تقض مضجع الشركة العملاقة منذ أوائل التسعينيات الماضية.

فسعيها الحثيث للمنافسة في ميادين عدة قد جعلها دومًاً محط انتقاد، وهدفًاً للدعاوى القضائية التي لا زالت بعض جولاتها تدور في أروقة المحاكم إلى الآن. فكيف بلغ جيتس قراره بالتنحي عن عرش مايكروسوفت في تلك الظروف؛ وما مستقبل عملاق البرمجيات بعد رحيله؟ هذا ما يكشف عنه هذا الملف عبر المحاور التالية:

- كيف صارت مايكروسوفت أكبر شركة برمجيات في العالم؟

- هل مايكروسوفت شركة احتكارية؟

- كيف يبدو مستقبل مايكروسوفت بعد رحيل جيتس؟

النصوص الرقمية ونهاية حقبة الورق

لهؤلاء الذين يخشون أن يكون انحسار المطبوعات الورقية نذيرًا بأفول الكلمة المكتوبة عامة، ثمة جيل جديد من التقنيات ربما يحمل لهم أخبارًا سعيدة.

للكتّاب ولعٌ مفهوم بالأسطر المنسابة على الورق. وهو ولع يشوبه القلق الناتج عن تراجع مستمر للكتب والمطبوعات الورقية عامة. ويلخص الصحافيّ المرموق محمد حسنين هيكل هذا الشعور في تصدير سلسلته "عمر من الكتب": "الكلمة المكتوبة على الورق باقية؛ والكلمة المسموعة على الإذاعة والتليفزيون عابرة؛ والكلمة المكهربة على الكمبيوتر فوارة، وهي مثل كل فوران متلاشية".

ولهذا القلق ما يبرره، ليس فحسب للكتّاب (الذين يكسبون من الكتابة رزقهم)، وإنما أيضا للمهتمين بدور الصحافة عامة. فالصحيفة الجيدة- كما قال المسرحي الأمريكي آرثر ميلر- "نتاج أمة في حوار مع ذاتها".

الجمعة، 21 نوفمبر 2008

خليج ما بعد النفط

تسعى ثلاثة من دول الخليج العربي، بفلسفات متباينة، إلى توطين العلوم على أراضيها بمشروعات تعاون وشراكة مع مؤسسات أكاديمية غربية، مستفيدة من ثروات نفطية متزايدة. فما فرص هذه المشروعات في النجاح؟

وليد الشوبكي[1]

في مايو/أيار الماضي عدّلت كلية الطب بجامعة كورْنل الأميركية تقليدا اتبّعته لأكثر من مئة عام. فعقدت احتفالين بتخريج دفعة جديدة من أطبائها، أولهما يوم الثامن في "المدينة التعليمية" على أطراف العاصمة القطرية الدوحة. والآخر يوم التاسع والعشرين بمدينة إثاكا على أطراف ولاية نيويورك، كما جرت العادة منذ العام 1898،.

بين حفل الدوحة ونظيره في نيويورك امتد فاصلا المكان والزمان: ما يربو على أحد عشر ألف كيلو مترا، وثلاثة أسابيع. ولكنهما يمثلان بالأساس حالة من التقارب بين مؤسسسات تعليمية وبحثية في الغرب (خاصة الولايات المتحدة) ودول عربية تسعى لإحداث قفزة في مؤسساتها التعليمية والبحثية. وأجلى مظاهر ذلك مبادراتٌ عربية ترتكز على ابتكار وتجريب مقاربات جديدة في التعاون والشراكة مع مؤسسات أكاديمية مرموقة.

تتمة المقال في "الحياة" اللندنية

ونسخة أطول على موقع إسلام أونلاين.


[1] تحاشيا لما قد يكون تعارضا في المصالح، يقرّ كاتب السطور بأنه حصل على منحة دراسية من "مؤسسة قطر" التي وردت بالمقال. ووَجب ذكر ذلك إعمالا للتقاليد الصحافية.

الخميس، 28 أغسطس 2008

من الحواسيب الشخصية للحوسبة المُوَزّعة

لم ينته بعد عهد أجهزة الكومبيوتر الشخصية، لكنها، وبسبب بزوغ ظاهرة الحوسبة المُوزعة، ربما تفقد تدريجياً دورها كمحور تعامل المستخدم مع المعلومات.

فقد كثُر الحديث خلال العام الجاري وسابقه عن الحوسبة المُوزّعة أو حوسبة الغمام (Cloud Computing)، باعتبارها الوجهة المستقبلية في تقنيات المعلومات. وكما الحال عندما تبزغ مصطلحات أو ظواهر جديدة في ذلك الميدان، تتواتر إلى جانب الحقائق مبالغات وتخمينات. فحتى تعريف المصطلح لا يزال محل تنقيح وإعادة نظر لدى المتخصصين، بحسب ما ذكر مدير مشروعات الحوسبة عالية الأداء بشركة »آي بي إم«، ويلي تشيو، (Willy Chiu) في مقال نشر له الشهر الماضي.

ولا مفر قبل الخوض في »الحوسبة الموزعة« من إشارة لسبب اختيار هذا التعبير كترجمة لمصطلح (Cloud Computing). فقد ترجمته بعض التقارير الصحافية العربية إلى »حوسبة الغمام« و»حوسبة السحب«. غير أن هاتين الترجمتين ربما تنأيان بمخيلة القارئ عن المعنى المقصود للتعبير. ومن ثمّ كان تفضيل »الحوسبة الموزعة«، الذي قد لا يكافئ المصطلح الإنجليزي بصورة مباشرة، ولكن يشرحه بصورة أكثر دقة.

الأحد، 17 أغسطس 2008

مواقع الإنترنت بين التشبيك الاجتماعي والذكاء الجمعي

"فيس بوك" ليس ذروة الإنترنت:
مواقع الإنترنت بين التشبيك الاجتماعي والذكاء الجمعي

من بين ما خلب لب لبنانيين كثر مؤخرا موقع الإنترنت "فيس بوك" Facebook، الذي ييسر التواصل بين الأصدقاء القدامى أو التعرف على جُدد. وللحق، ليس اللبنانيون وحدهم من مسّهم الولع بما أطلق البعض عليه "ظاهرة الفيس بوك". ففي مارس/آذار الماضي بلغ عدد مستخدمي الموقع – الذي تأسس في فبراير/شباط 2004 – نحو 50 مليونا. وتقدر قيمة الشركة الآن عند حوالي 15 مليار دولارا، أي ما يكافئ نظريا ضعف التقييم السوقي لأسهم شركة "جنرال موتورز" للسيارات وفق أرقام أواخر يونيو/حزيران الماضي (وهذا تقييم نظري لأن "فيس بوك" شركة خاصة، أي ليس مدرجا في البورصة وليست له أسهم متداولة).

ويُعزى نجاح "فيس بوك" عادة إلى تمكنه من توفير وسيط للتواصل الاجتماعي غير مسبوق في حقبة الإنترنت. فعبر الـ "فيس بوك" يستطيع المرء أن يتبادل الرسائل، كلماتٍ أو صورا، مع أفراد أو جماعات، وأن يطلع على "سجل" متجدد لما يقوم به الزملاء والمعارف، وأن ينشئ أو ينضم للمجموعات التي تركز على هدف واحد، سواءا الدعوة للحفاظ على أحد الحيوانات المعرضة للانقراض أو الإجماع على كراهية أستاذ جامعي معين. ومن ثم فربما يكون أدق تعريف لـ "فيس بوك" أنه جمّع تقنيات التواصل الإنترنتي السابقة عليه (البريد الإلكتروني، والقوائم البريدية، والمنتديات، بل والمدونات) في حزمة واحدة، سهل استخدامها عبر نافذة متصفح الإنترنت.

وليس الـ "فيس بوك" وحيدا في ميدان ما يُسمى مواقع "التشبيك الاجتماعي" (social networking). فهناك مئات المواقع المنافسة، منها MySpace.com، Ning.com، Orkut.com، وويندوز لايف سبيسز.

أثر التشبيك
وتقوم هذه المواقع على ما يعرف بـ "أثر التشبيك" (network effect) أو "قانون متكافيه" (Metcalfe’s Law). ويذهب هذا القانون إلى أن قيمة أي شبكة للتواصل (اجتماعية أو هاتفية أو إنترنتية أو غيرها) تنمو باطّراد يكافئ ضعف الزيادة عدد الأفراد الذين يستخدمونها. فمثلا، لو أن لدينا شخصا واحدا فقط يستخدم البريد الإلكتروني فإن تلك التقنية الجديدة لن تؤتي أي ثمار. ويختلف الحال لو زاد عدد المستخدمين إلى 5 أو 10 أو مليون. فكلما زاد عدد مستخدمي التقنية الجديدة، زادت الفوائد المتحققة من استخدامها، إذ سيكون ذلك بمثابة معيار موحد لإجراء نوع معين من التعاملات، بدلا من استخدام معايير مختلفة (الفاكس والبريد الإلكتروني). وهذا ما يعنيه أثر التشبيك.

ولعل هذا يفسر نجاح "فيس بوك" ورفاقه. ففي المحصلة، ما يميز "فيس بوك" ليس خدمة بريده الإلكتروني أو خدمة النقاشات العامة (فكلاهما موجود لدى مواقع أخرى منذ أعوام طويلة)، وإنما العدد الهائل من المستخدمين الذين يتراسلون عبر البريد الإلكتروني ويتبادلون الرأي، أو يتجادلون، في منتديات النقاش لـ "فيس بوك". ولاجتذاب الجموع الغفيرة اللازمة لذلك، عمل مطورو "فيس بوك" على جعل واجهة المستخدم بسيطة، مع إمكانية أن يضيف المستخدم عشرات أو مئات البرمجيات الصغيرة التي تجعله أكثر ارتباطا بالموقع (لتبادل الصور وملفات الفيديو والرسم والألعاب الإنترنتية وغيرها). وكلما زاد عاد المستخدمين، تحسنت فرص اجتذاب المزيد منهم، وهكذا دواليك. فلو أن لدينا مثلا مجموعة للمستخدمين من مدينة صيدا، فإن ذلك يمثل حافزا لإقبال المزيد من الصيداويين للاشتراك بهذه المجموعة. وتؤدي زيادة عدد المشتركين إلى جعل المجموعة أكثر قوة واجتذابا للمزيد، لأن كثرة أفرادها يرفع احتمال أن يعثر المشتركون الجدد على معارف أو أصدقاء لهم ضمن المجموعة.

الشبكات الكبيرة .. مشاكلها كثيرة
بيد أن الباحثة دانا بويد (Danah Boyd) من جامعة كاليفورنيا-بيركلي أثارت أسئلة جديدة في دراسات منشورة العام الماضي حول العلاقة بين مفهوم أثر التشبيك (أو قانون متكافيه) ومواقع التشبيك الاجتماعي. ففي رأيها أنه لدى الحديث عن تلك المواقع، ليست أعداد المستخدمين وحدها كافية للدلالة على قوة الشبكة ونجاحها. وإنما يجب أن يؤخذ في الاعتبار القيمة التي يضيفها كل مستخدم لتلك الشبكة. فمثلا، استخدام أفراد كُثُر لبرنامج "ورد" (Word) لمعالجة النصوص يتسق مع أثر التشبيك (أو قانون متكافيه) لأنه ييسر قراءة وتبادل الملفات بين عدد أكبر من الأفراد، ومن ثم يوفر الوقت المستغرق في سؤال الطرف الثاني (المستقبِل) عن البرنامج الذي يستخدمه، وما إذا كان متوافقا مع برنامج "ورد". ويصدق الأمر ذاته على جهاز "الفاكس". فذلك الجهاز ييسر تبادل الملفات. وكلما زاد عدد مستخدميه ساهم ذلك في توفير المزيد من الوقت ورفع الإنتاجية (إذ أن هؤلاء الذين يملكون الفاكس لا يستخدمونه لتبادل النكات).

ويختلف ذلك، برأي الباحثة بويد، عما يحدث في أغلب مواقع التشبيك الاجتماعي مثل "فيس بوك" و"ماي سبيس". فنظريا، تتقوى تلك الشبكات وتصير أكثر جاذبية للمزيد كلما التحق بها أفراد جدد. ولكن الواقع لا يتسق كلية مع تلك الفرضية. فما الذي يضيفه كل مستخدم في تلك الشبكة؟ باستثناء الحالات التي يُستخدم فيها "فيس بوك" للتواصل بين أفراد العائلة الواحدة الذين شتتهم الجغرافيا، ليس واضحا كيف ترتفع إنتاجية الأفراد أو الشبكة من تبادل الرسائل أوالصور أو النكات أو إنشاء مجموعة إنترنتية لمحبي الممثل المشهور دريد لحام، أو إخبار 25 ألف شخص بدلا من 25 أن فلانا فاز بودّ فلانة وأنهما يزمعان الزواج.

وتَخلُص بويد إلى أنه في الحالات التي لا يضيف فيها الأفراد قيمة للشبكة، فإن كبر حجمها يكون وجه ضعف وليس وجه قوة. ففي تلك الحالة، كلما زاد عدد أفراد الشبكة، كلما ارتفعت احتمالات الرسائل غير المرغوبة، والمضايقات، والدعوات والرسائل الآتية من غرباء. وينتهي الأمر بأن ينصرف الأفراد عن تلك المواقع حين تصبح، بمضايقاتها وإلهاءاتها والوقت المُنفق فيها، عبئا ثقيلا وليس وسيلة للتواصل الاجتماعي. ولهذه الأسباب يُعزى أفول مواقع تشبيك اجتماعي كانت يوما ملء الأبصار مثل "فرندستر" (Friendster) و"الدرجات الست" (Six Degrees).

حقبة الذكاء الجمعي؟
وبينما لا يزال مستقبل مواقع "التشبيك" محل جدل، فإن ثمة خطا تطوريا آخر سلكته مواقع إنترنت عديدة ناجحة مثل أمازون (Amazon.com) وإي باي (eBay). وفيه لا تكتفي المواقع بإتاحة فرص التشبيك الاجتماعي بين المستخدمين وإنما تعمل على الاستفادة من ذكائهم الجمعي.

وربما يكون موقع أمازون – الذي أنشئ عام 1994 – أول من اتخذ هذا التوجه. فمنذ البدايات الأولى سعى جيف بيزوس – مؤسس ورئيس أمازون – لجعل مساهمات مستخدمي الموقع أكثر من مجرد حيلة لاجتذابهم مجددا لمتجر الكتب الإنترنتي، وإنما لتمييز أمازون عن المنافسة من خلال المحتوى الذي يقدمه القراء. وكان من أولى تلك الإضافات أن يُسمح للقراء بأن يضيفوا آراءهم وتعليقاتهم حول الكتب التي يشترونها عبر الموقع. ومن ثم يطلع المشترون الجدد على مدى أوسع من الآراء حول الكتب قبل شرائها. ومن بين ما أتاح أمازون أيضا إمكانية التعرف على أنماط سلوك المستخدمين الآخرين (بغير تحديد أسمائهم بالطبع) حين يشترون ذلك الكتاب الشعري أو تلك الرواية. فمثلا لو أنك اشتريت كتابا عن الحرب العالمية الثانية، سيخبرك الموقع أن المستخدمين الذين اشتروا هذا الكتاب، اشتروا أيضا تلك الكتب، ويعطيك قائمة بالكتب ونسبة شراء كل منها. كذلك، حين تنشئ قائمة بكتبك المفضلة، سيخبرك الموقع بأن المستخدمين الذي وضعوا أيا من تلك الكتب على قوائمهم المفضلة، أضافوا أيضا كتب كذا وكذا. ولو أنك حددت كتابا أو مجلة ليدخل قائمة المتابعة لديك (watch list)، لتترقب التغير في سعره مثلا، سيخبرك الموقع بالكتب في قوائم المتابعة للمستخدمين الآخرين الذين يشتركون معك في الاهتمام بكتاب أو أكثر.

والمقصود أن مطوري أمازون راعوا أن يستفيد كل مستخدم للموقع من الذكاء الجمعي لكل المستخدمين. وتكون المحصلة رضا أكبر لدى هؤلاء المستخدمين عن خدمات الموقع.

وقد ساهمت هذه الخواص الفريدة في تواصل إقبال المستخدمين على أمازون رغم المنافسة الشديدة من منافسيه الذين يملكون شبكات واسعة لتوزيع الكتب في الولايات المتحدة (مثل بارنز آند نوبل وبوردرز). وعندما توسع أمازون في تقديم منتجات غير الكتب (مثل الإلكترونيات والأدوات المنزلية وغيرها)، تواصل الاعتماد على مفهوم الاستفادة من الذكاء الجمعي للمستخدمين. فمن يشتري حاسوبا عبر أمازون سيجد قائمة بمنتجات مكملة (للحماية من الفيروسات أو لحماية شاشة الحاسوب وغيرها) في انتظاره، ليختار منها ما يريد. ويصحب كل منتج تعليقات وآراء عشرات أو مئات المستخدمين عن الحسن والرديء فيها.

ومن أشهر من نجح في الاستفادة من الذكاء الجمعي لمستخدميه أيضا موقع "إي باي". بدأ الموقع العمل أواخر 1995 ليكون وسيطا بين هؤلاء الذين يرغبون في بيع أشياء لم يعودوا يرغبون فيها – كساعة أو حاسوب أو رف أحذية – وهؤلاء الذين يرغبون في شراء تلك الأشياء. ولكن سرعان ما واجهت بيير أوميديار (مؤسس "إي باي") مشكلة: كيف سيثق المشترون بأن البائعين سيرسلون الأشياء والأمتعة حسب الاتفاق متى حصلوا على النقود؟ وكان الحل ان ابتكر أوميديار ورفاقه نظام التقييم (rating system)، وفيه يقيم كل مشترِ البائع بعض إجراء التعامل. وتظهر محصلة تقييمات الآخرين بجوار اسم كل بائع ومنتجاته، وهو لا يستطيع أن يغير هذا التقييم أو يؤثر فيه سلبا أو إيجابا. ومن ثم فإن هذا النظام المبتكر ساعد تدريجيا وبغير إدارة مركزية له على طرد غير الأمناء خارج منظومة "إي باي". إذ من سيُقبل على شراء سلعة من بائع تقييمه الكلي 50% حين يكون هناك بائعون تقييمهم 99%؟


المحررون يمتنعون
وقد انتقلت ممارسات الاستفادة من الذكاء الجمعي للمستخدمين إلى مواقع الصحف أيضا. ففي الماضي كان قراء النسخ الإنترنتية للصحف يجدون إلى جانب المقال المعروض قائمة بـ "المقالات ذات الصلة" أو "المقالات المتعلقة". وكان المحررون هم من يقرر أي المقالات يدخل تلك القائمة. أما الآن، فنادرا ما تجد هذه القوائم (أو ستجدها أسفل الصفحة)، وستجد بديلا عنها قوائم أخرى مثل: أكثر المقالات إرسالا بالبريد الإلكتروني؛ أكثر المقالا التي حظيت بتعليق وروابط إليها عبر المدونات؛ أو أكثر المقالات التي بُحث عنها، أو عن كلمات فيها، عبر محركات البحث مثل غوغل وياهو. هذا ما تفعل الآن صحف مثل "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست". ولو أن لديك حسابا (مجانيا) لدى موقع "نيو يورك تايمز" وحفظت أحد المقالات عليه، فستبزغ أمامك رسالة لا تختلف عما تراه على "أمازون": "القراء الذي حفظوا هذا المقال، حفظوا أيضا هذه المقالات". ويتبع الرسالة قائمة بمقالات من الصحيفة واسعة الانتشار.

وثمة أمثلة كثيرة أخرى من ميدان تقنيات المعلومات على الاستفادة من الذكاء الجمعي. فعلى موقعي Digg.com وDelicious.com يعطي المستخدمون درجة أو تقييما للمقالات التي تصادفهم على الإنترنت. وتحظى المقالات الأكثر قراءة وتقييما بالصدارة على هذين الموقعين، إلى أن تحل محلها أخرى. ثم إن هناك بالطبع حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة (Free and open source software) التي يجتمع فيها المبرمجون، تطوعا، لإنجاز مشروعات برمجية ضخمة. ومن أشهر منتجات هذه الحركة نظام تشغيل لينِكس ومتصفح فايرفوكس. بل إن محرك البحث غوغل ذاته يستفيد من الذكاء الجمعي للمستخدمين. فتقييم الصفحات في محرك غوغل (والذي يتحدد بناءا عليه ما إذا كانت تلك الصفحة ستأتي في صدر نتائج محرك البحث أو في ذيلها) يعتمد على الروابط التي ينشئها المستخدمون. فكلما زاد عدد الروابط، وكذا تقييم الصفحات التي خرجت منها هذه الروابط، كلما زادت تقييم الصفحات التي تؤدي إليها تلك الروابط، ومن ثم زادت فرصها في الظهور في أوائل صفحات النتائج على غوغل.

ويجمع بين تلك الأمثلة – أمازون وإي باي وحركة البرمجيات الحرة والمفتوحة وغوغل – أن نجاحها لم يعتمد فحسب على عدد الأفراد المشتركين فيها، وإنما على قيمة ما، مهما صَغرت، يقدمها كل فرد في الشبكة، فيرتفع رصيدها، أو رصيد كل أفرادها على أثر ذلك. ففي أحدها يقرأ المستخدم كتابا وينبئ الآخرين عن جودته. وفي أخرى يقرأ المستخدم مقالا، ويثني عليه، فيعرف الآخرين بذلك. وفي مثال ثالث، يعثر مستخدم على موقع هام، فيضيف رابطا إليه، فيرفع تقييمه لدى محركات البحث ليستفيد منه الآخرون. ويبدو أن ذلك يختلف عن موجة مواقع التشبيك الاجتماعي التي تبني مجدها على الأعداد فحسب، ودون النظر لما تقدم تلك الأعداد الغفيرة في استخدامها للشبكة. وتلك المواقع، كما ذكرت مجلة "إكونومست" في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، غالبا ما تثبت الأيام أن لا جذور لها؛ فهي تقليعة أو "موضة" لن تلبث أن تذوي لتفسح الطريق لغيرها.


وليد الشوبكي

نُشر المقال بصحيفة الـســفير اللبنانية، في الرابع عشر من أغسطس/آب 2008.

الخميس، 24 يوليو 2008

آيفار جيفر: لم تعد ثمة أسئلة كبرى في الفيزياء

"السفير" في ملتقى فيزيائيي نوبل، حيث يسبح أحدهم ضد التيار

آيفـار جيفـر: لـم تعـد ثمـة أسـئلة كبـرى أمـام عـلمـاء الفـيزيـاء



على جدران القاعة الرئيسة لمركز المؤتمرات "انزلهال" بمدينة لنداو الألمانية تَراصّت صور الفيزيائيين الحاصلين على جائزة "نوبل" الذين يشاركون في دورة هذا العام من الملتقى السنوي. ومن بين الابتسامات الوادعة لعلماء يخطو أغلبهم في العِقد الثامن من العمر، تبرز صورة الدكتور آيفار جيفر (Ivar Giaever) بابتسامته اللعوب وقد أخرج لسانه للناظرين।

بيد أن الجدل الذي أثاره جيفر لم يكن سببه الصورة، وإنما آراؤه التي بثها غير مرّة عن الأسئلة الكبرى الباقية في الفيزياء وتغيّر المناخ وغيرها।


فلم يكن قد مضى سوى بضع دقائق على بداية محاضرة الفيزيائي النرويجي-الأميركي، في ثاني أيام المؤتمر، حين ألقى بسؤاله: "ماذا يحتاج في رأيكم مهندس ميكانيكا من النرويج ليفوز بجائزة نوبل؟" وبعد برهة صمت، تطوع بالإجابة: "لا شك سيحتاج لقسط كبير من ذلك।" وأشار بيده لشاشة العرض المتصلة بحاسوبه الشخصي وقد أضاءت عليها، بحروف إنجليزية ضخمة، كلمة "الحظ". وفي ختام كلمته عن اكتشافاته في مجالات التوصيلية الفائقة والنفاذية، كان من بين النصائح التي قدمها للباحثين الشباب أن يتذكروا أن النجاح في مجال الفيزياء ينطوي على منافسة شرسة تقتضي أحيانا أن يتخلى الباحث عن دماثة أخلاقه مع زملائه.


ورغم نزوع آيفار جيفر الظاهر للمزاح فإن كلمته أثارت حفيظة بعض زملائه. ومن بين الذي عقبوا على ملحوظة جيفر الأخيرة ويليام فيليبس، فيزيائي نوبل للعام1997 . قال فيليبس: "إذا كانت دماثة الأخلاق لا تؤثر بالسلب أو الإيجاب على أبحاثنا، فلماذا لا نلتزم بها في تعاملنا مع زملائنا على أية حال؟"


وقد توافد فيزيائيو نوبل على مدينة لنداو الألمانية لإلقاء المحاضرات والالتقاء المباشر مع الباحثين الشبان في إطار الدورة الثامنة والخمسين للمؤتمر السنوي الذي عقد بين التاسع والعشرين من حزيران الماضي والرابع من تموز، بتلك المدينة الجزيرة ذات الطابع السياحي، والتي تطل على بحيرة كونستانس شمالي ألمانيا।


ويعقد مؤتمر لنداو منذ العام 1950، برعاية عائلة "برنادوت" السويدية العريقة، ليكون جسرا للتواصل المباشر بين حاصلين على جائزة نوبل في فرع أو أكثر من العلوم وباحثين واعدين في هذا المجال يأتون من شتى أرجاء العالم।

وقد خُصصت دورة هذا العام للفيزياء، حيث ألقى نحو 25 فيزيائيا من حاملي نوبل محاضرات حول إسهاماتهم. كما تواصلوا عن قرب في جلسات مغلقة، بعيدا عن الصحافيين والجمهور العام، مع نحو 500 باحث شاب في الفيزياء أتوا من الجهات الأربعة. وتلك خاصية مميزة للمؤتمر عن غيره يعتز بها منظموه।


نهاية عهد الأسئلة الكبرى؟

في واحدة من تلك الحوارات المغلقة سأل أحد الباحثين جيفر: "لو أنك واحد من باحثي الفيزياء الشبان اليوم، ماذا كنت تفعل؟" فأجاب: "كنت سأترك الفيزياء وأتجه لعلم الأحياء (biology)، ففي الأخير الأسئلة الكبيرة والمثيرة، أما أسئلة الفيزياء الكبرى فقد حُلّت।"


ماذا كان يقصد جيفر بالضبط بهذه الإجابة؟ ردا على السؤال، قال جيفر لـ "السفير": "إن القوانين الأساسية للعلوم، تلك التي نستخدمها في بناء الطائرات والسيارات وغيرها، معروفة للعلماء منذ عشرينيات القرن الماضي تقريبا। ويمكن القول بأنه ليس ثمة قوانين جديدة منذ ذلك الحين. وواقع الأمر أنه لم يعد لدى الفيزيائيين برامج [بحث] حقيقية لينشغلوا بها."


وضرب جيفر، المولود في العام 1929 بالنرويج، مثالا على ذلك بالتطورات الحادثة في ميكانيكا الكم، شارحا أن أساليب فهمنا لها تحسنت، ولكن قوانينها الأساسية معروفة منذ الربع الأول من القرن الماضي. وأضاف أن هذه التطورات تؤكد ما نعرف فعلا؛ ولكنها لا تغير شيئا مما نعرف। ولكنه أوضح في الوقت نفسه أن معرفة القوانين لا تعني بالضرورة معرفة كل التفاصيل.


أما في علم الأحياء، يضيف جيفر، فمسائل مثل السرطان وطبيعة الذاكرة واستخدامات الخلايا الجذعية كلها تفتح آفاقا واسعة لشباب الباحثين. سألته إن كان هذا الإدراك سبب تحول اهتمامه لعلم الأحياء؟ فأجاب بالنفي: "[بنهاية ستينيات القرن الماضي] كان حماسي للفيزياء قد أخذ يخبو، لاسيما أنني لم أرَ فرصا بحثية في الأفق। فأنا بطبيعتي لا أستطيع العمل في فرق بحثية كبيرة مؤلفة من عشرات الباحثين سعيا وراء مجاهل الفيزياء النظرية. وإنما أفضل إجراء التجارب وتحسينها، سعيا لإيجاد حلول لما سنواجه غدا، أو بعد أسبوع، ولكن ليس بعد خمس سنوات."


لم تحظ وجهة نظر جيفر بالقبول لدى فيزيائيي نوبل الذين استُطلعت آراؤهم. ففي تعقيبه على وجهة نظر جيفر قال جورج اسموت (George Smoot)، فيزيائي نوبل لعام 2006، إنه لا يزال في الفيزياء فيض من الأسئلة للراغبين في السعي خلفها، ومنها طبيعة تلازم الزمان والمكان (أو الزمكان). وأشار اسموت إلى أن التطورات في علم الفيزياء تؤتي ثمارها في تطبيقات علم الحياة والتطبيقات الطبية। وساق كمثال على ذلك الفوائد التي حققتها الأجهزة المعتمدة على الموجات الكهرومغناطيسية في الأغراض الطبية.


ومن بين المعارضين لجيفر أيضا كان ديفيد غروس (David Gross)، العالم الأميركي الحاصل على نوبل الفيزياء عام 2004. قال غروس لـ "السفير": "إن القول بنهاية عهد الفيزياء البحتة أسطورة يروجها بعض علماء الأحياء। لا يزال ثمة الكثير من الأسئلة الأساسية التي لا نعرف لها إجابات." ولكن غروس أضاف أن هذا لا يناقض حقيقة أن المعضلات في مجال الطب، كأمراض السرطان والإيدز وغيرها، تمثل حافزا لكثير من شباب الباحثين لتفضيل علم الحياة على الفيزياء، لاسيما وأن التمويل المخصص للأبحاث الطبية يفوق كثيرا مخصصات الأبحاث الفيزيائية.


من الفيزياء للبيولوجيا

ولكن جيفر، اختلف معه زملاؤه أم اتفقوا، حسم أمره مبكرا. ففي العام 1969 تحول اهتمامه لعلم الأحياء. فغادر الولايات المتحدة إلى بريطانيا ليدرس الفيزياء الحيوية في جامعة كيمبردج. وعندما عاد للولايات المتحدة بعد نحو عام، عكف على دراسة جزيء البروتين، ثم على حركة الخلايا المستخلصة من ثدييات في مستنبتات الأنسجة (tissue culture)، مع التركيز على المقارنة بين حركة الخلايا الطبيعية وتلك المصابة بالسرطان. وفي العام 1991 أنشأ جيفر شركة "بيوفيزيكس" التي طورت جهازا (متاحا تجاريا) لمراقبة حركة الخلايا في مستنبتات الأنسجة।


والحق أن تحول جيفر للفيزياء الحيوية لم يكن الانتقال الكبير الوحيد في حياته المهنية. فقد درس عالم نوبل الهندسة الميكانية بجامعة أوسلو وتخرج في العام 1952. ثم شاءت الأقدار أن ينعطف مسار حياته عندما تقدم لشغل وظيفة بالفرع الكندي لشركة "جنرال إلكتريك" الشهيرة في العام 1954. وقد حدث ذلك نتيجة مفارقة طريفة رواها جيفر في المحاضرة التي ألقاها في لِنداو، كما في كلمة تسلّمه لجائزة نوبل. فبينما تمثل درجة "4" أعلى ما يمكن أن يحصل عليه طالب في النظامين الدراسيين الأميركي والكندي، فإن درجة "4" في النظام النرويجي تعني "مقبول" فحسب। وعندما تقدم جيفر بأوراقه لجنرال إلكتريك، وكانت تقديره "4" في كل من الفيزياء والرياضيات، ظن ممتحنَه أن الجالس أمامه نابغة فيزياء ورياضيات فسارع إلى توظيفه.


وقال جيفر معقبا على تلك الحادثة، بأسلوبه المازح كعادته: "في الأحوال العادية أميل لأن أكون أمينا। ولكني قررت أنه ربما لم يكن من الحكمة أن أكون أمينا في هذا اللقاء التوظيفي."


بدأت رحلة جيفر الجادة مع الفيزياء في العام 1958. ففي ذلك العام – وكان قد انتقل للعيش بالولايات المتحدة منذ عامين – التحق جيفر بمركز الأبحاث والتطوير لشركة جنرال إلكتريك। وبالتوازي، انتظم بالدراسة بمعهد "رنسليير" التقني في نيويورك ليحصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء في العام 1964 (ليعود بعد أربعة وعشرين عاما ويعمل أستاذا بالمعهد نفسه).


في الفترة بين 1958 و1969 أجرى جيفر أبحاثا وصمم تجاربَ تتعلق بمجالي التوصيلية الفائقة (superconductivity) والنفاذيّة (tunneling)، وذلك بحسب ما أورد موقع جائزة نوبل. والمقصود بالنفاذية قدرة الإلكترون – بطبيعته الثنائية، الموجية والجزيئية، التي أوضحها العالمان دي بروغلي وشرودنغرفي الربع الأول من القرن العشرين – على النفاذ عبر الأجسام الرقيقة إذا ما دفع بطاقة مناسبة. أما التوصيلية الفائقة فتعني قدرة الإلكترونات على الانسياب بغير مقاومة في الأسلاك. فإذا ما أُطلقت دفقة إلكترونات في ملف مغلق من مادة فائقة التوصيلية، فإنها قادرة على السريان في هذا الملف، نظريا على الأقل، إلى ما لا نهاية. وقد كان إسهام جيفر بتصميمه تجارب تؤكد بعض الفرضيات المبكرة لنظرية التوصيلية الفائقة لفليكس بلوتش في ثلاثينيات القرن المنصرم. وعلى أثر تلك التجارب حاز على جائزة "أوليفر بَكْلي" المرموقة في الفيزياء في العام 1965، ثم جائزة نوبل بالمشاركة مع فيزيائييَن آخرين في العام 1973.


ويخرج لسانه لزملائه من فيزيائيي نوبل!

وكأن آراء جيفر حول مصير الفيزياء البحتة ودور الحظ في الحصول على جائزة نوبل لم تكن مثيرة للجدل بما يكفي، فأضاف من الشعر بيتا بوجهة نظره المغايرة حول ظاهرة تغير المناخ. ففي حلقة النقاش الوحيدة لمؤتمر لنداو هذا العام، والتي خصصت لموضوع "التغيرات المناخية وتحديات الطاقة"، اتخذ جيفر موقفا يعارض فيزيائيي وكيميائيي نوبل الستة الآخرين المشاركين في النقاش. وقد كان أسلوبه لاذعا لدرجة يبدو أنها أثارت غضب أحد المشاركين، جاك ستاينبرغر، فيزيائي نوبل لعام 1988، والذي امتنع عن التعليق مرتين حين حان دوره في حلقة النقاش.


في شرحه لتشككه حول ظاهرة تغير المناخ، قال جيفر: "لقد عشت عمرا طويلا، ظهرت خلاله صَرَعات عدة. منها مثلا الأمطار الحامضية [في السبعينيات والثمانينيات]. ولكن لم يعد أحد يتحدث عن ذلك اليوم. ثم ثقب الأوزون في التسعينيات، الذي لا يكاد المرء يسمع عنه شيئا هذه الأيام. والآن لدينا تغير المناخ." وأضاف، "لقد بلغ الاعتقاد في ظاهرة تغير المناخ مبلغ العقيدة. وصار كل من يثير أسئلة حول الظاهرة وكأنه فقد صوابه."


وأشار الفيزيائي النرويجي المولد أيضا إلى ما وصفه باختلاط الحقائق بالآراء الشخصية عند الحديث عن ظاهرة تغير المناخ: "لقد سمعتَ منذ قليل مدير حلقة النقاش يقول إن ثمة احتمالا قدره 90 في المئة أن يكون النشاط البشري سبب ظاهرة تغير المناخ. و ليس ذلك حقيقة علمية مثبتة وإنما رأيه الشخصي."


فلماذا يتشكك جيفر في أن ثمة تغيرا استثنائيا في مناخ الأرض؟ أول تحفظات عالم نوبل تتعلق بالطريقة التي جمعت بها البيانات التي قادت إلى فرضية تغير المناخ. إذ يقول إن تحصيل البيانات حول درجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، في الصين وماليزيا والمكسيك وغيرها، تم بطريقة عشوائية تقريبا، تفتقد للاتساق والمعيارية. وقال جيفر إنه عندما سأل بعض زملائه من علماء نوبل عن الكيفية التي جُمعت بها المعلومات عن تغير المناخ، كان ردهم أن هذه الإحصاءات يجب أن تؤخذ كما هي. ولكنه لا يقبل بذلك: "العالِم لا يأخذ البيانات على علاّتها."


وأضاف أن البيانات الموثقة حول درجة الحرارة في الولايات المتحدة ترسم صورة مختلفة لتغير المناخ. فقد وجد جيفر أن أعلى درجة حرارة مسجلة في الولايات المتحدة كانت من نصيب العام 1989، ويعقبه العام 1934، ثم 1921. ولكن تجدر ملاحظة أن الكثيرين من مؤيدي نظرية تغير المناخ يقارنون متوسط الحرارة لكل عشرة أعوام، وليس درجات الحرارة للسنوات كل على حدة।


أهم من ذلك، يقول جيفر، إن درجة حرارة الهواء تتحدد أساسا وفقا لدرجة حرارة مياه المحيطات. فالمحيطات تغطي نحو 70% من سطح الأرض، كما أن الاستيعاب الحراري (heat capacity) لمياه المحيطات يفوق كثيرا استيعاب الهواء، ربما بحوالي 10 آلاف ضعف بحسب جيفر، الذي أضاف: "نحن لا نعرف شيئا على الإطلاق عن التغير في حرارة المحيطات لأننا لم نرصدها."


وذكر جيفر أن أوروبا شهدت ما أسماه بعصر جليدي محدود خلال القرن السابع عشر، أي قبل الثورة الصناعية وتزايد تأثير البشر على بيئة الأرض. وكان ذلك العصر الجليدي ذروة ظاهرة انخفاض لدرجة الحرارة استمرت لنحو 200 عام. ولفت إلى أن البحث فيما يمكن أن يكون تغيرا للمناخ الآن يجب أن يأخذ في الاعتبار ظاهرة العصر الجليدي المحدود، لأنها ستسهم في تقرير إذا ما كنا نشهد تغيرا في المناخ أم لا.


ورغم تشكك جيفر في حدوث تغير جذري للمناخ، فإنه يقبل كافة الاحتمالات: "إنني أعتقد أننا لا نشهد تغيرا في المناخ، ولكن ليس لدي من الأدلة ما يؤكد رأيي ذلك يقيناً؛ وكذا الأمر لدى المؤيدين لحدوث تغير في المناخ، فهم أيضا ليس لديهم أدلة يقينية. وواقع الأمر أنه إن كان ثمة تغير في المناخ فليس هناك ما نستطيع فعله."


وفي سؤال "للسفير" عن الرأي الذي أدلى به أحد المشاركين في حلقة النقاش والقائل بأن مجرد الزيادة المطردة في عدد سكان الأرض يعني زيادة انبعاث ثاني أكسيد الكربون، مما يسهم في ارتفاع درجة الحرارة على الكوكب، ومن ثم وجب الإسراع بتنفيذ سياسات لمواجهة ذلك الاحتمال، أجاب جيفر "هذه وجهة نظر مثيرة للاهتمام. ولكن ثمة كتابا لمؤلف روسي اسمه [سرغي] كابتسا (Sergei Kapitsa) يقول فيه إن النمو السكاني سيتوقف من تلقاء نفسه. وهذا صحيح لدرجة كبيرة، فمثلا نحن في أوروبا لدينا تقلص سكاني".


العلماء يتعارضون

ويثير الانتباه في الجدل خلال حلقة النقاش حول تغير المناخ اختلاف المشاركين، وسبعة منهم علماء حاصلون على جائزة نوبل، حول تعريف "الحقيقة العلمية"। فما كان في رأي أحدهم حقيقة دامغة (كما في اطّراد حرارة الأرض) كان في رأي آخر فرضية بُنيت على بيانات غير مُثبتة.


ولم يقف الخلاف عند ذلك الحد. ففي حديثه مع "السفير" أشار جيفر بأصابع الاتهام للعلماء الذين يؤيدين نظرية تغير المناخ بغير تحفظ بأنهم يستفيدون من وراء ذلك، لافتا إلى أن الحصول على تمويل للأبحاث حول تغير المناخ أيسر كثيرا من تحصيل تمويل لدراسات في شؤون أخرى. وقد ترددت اتهامات مماثلة حول جيفر نفسه بين بعض ممن حضروا المؤتمر، وأنه ربما يرتبط بمصالح بالمؤسسة السياسية والصناعية في أميركا التي عارضت كثيرا القول بأن ثمة تغيرا جذريا في المناخ مرده النشاط البشري. وهكذا شهد الملتقى العلمي قدْرا من الغمز والاتهامات المتبادلة، غير العلمية، عن الباحثين ودوافعهم لتأييد أو رفض نظرية تغير المناخ।


وقد وصفت كرستينا ريد، الصحافية ومؤرخة العلوم، جيفر بأنه يمثل "مدرسة قديمة" من العلماء الذين يبدون الكثير من المقاومة للأدلة على ظواهر أو آراء تعارض آراءهم.


ولا ينفي جيفر أنه ينتمي لمدرسة تختلف عن تلك التي ينتمي إليها معظم الفيزيائيين: "أغلب الفيزيائيين لا يعرفون أين يوجهون طاقاتهم البحثية، ومن ثم فإنهم يخترعون مشكلات ليست ذات أهمية، ويأتون بحلول لها، ثم ينشرون ذلك في دوريات علمية. أما أنا فأفضل التعامل مع مشكلات حقيقية. ربما أنا أقرب للمخترع مني للعالِم."

الخميس، 10 يوليو 2008

بل غيتس وأسئلة الرحيل الصعبة


بينما يترك بل غيتس مهامه اليومية لدى مايكروسوفت، يبقى معلّقا سؤالان كبيران يبدو أن العبقري غيتس يئس من العثور على إجابات لهما.


بدءا من الأول من يوليو الجاري تخلى بل غيتس، أحد الشريكين المؤسسين لمايكروسوفت، عن مهامه اليومية لدى الشركة العملاقة، مكتفيا بمنصب الرئيس غير المتفرغ والاستشاري عند الطلب. وكانت مايكروسوفت قد كشفت في الخامس عشر من يونيو 2006 عن مرحلة انتقالية مداها عامان يحل فيها بالتدريج مسؤولون كبار بمايكروسوفت محل غيتس ليتفرغ الأخير لإدارة المؤسسة الخيرية الضخمة التي تحمل اسمه واسم زوجته.


ولكن نظرة متفحصة ربما تقودنا لأسباب إضافية لاختيار غيتس التنحي عن إمبراطورية مايكروسوفت في هذا التوقيت. فثمة قوتان كبيرتان في ميدان تكنولوجيا المعلومات تنازعان سيادة مايكروسوفت، ولم تستطع الأخيرة أن تواجههما بحسم خلال نحو عقد من الزمان، كما كانت تفعل في الماضي. هاتان القوتان هما التطبيقات الحرة والمفتوحة المصدر (مثل نظام تشغيل لينِكس وحزمة البرامج المكتبية أوبن أوفيس) ثم البرمجيات الإنترنتية التي تُشَغّل كلية عبر متضفح الإنترنت، دون الحاجة لتثبيتها على القرص الصلب للحاسوب الشخصي، كما في الحزم البرمجية من غوغل وزوهو (Zoho) وغيرهما. ويبدو أن غيتس ورفاقه أدركوا أن الحاجة ماسة لمقاربات ورؤى جديدة في التعامل مع هاتين القوتين، وذلك لأن عقلية الحقبة الماضية لم تعد قادرة على التعامل مع المعطيات والظواهر الجديدة بكفاءة. ومن ثَمّ، ربما، كان قرار تنحي غيتس.


حقبة جديدة بمتطلبات جديدة

يبدو أن مايكروسوفت أدركت عمق التغيير في قطاع تكنولوجيا المعلومات مع نهايات العام 2004 وبدايات 2005. ومن دلائل ذلك أن سعت الشركة لاجتذاب دماء جديدة ضمن مسؤوليها الكبار.ففي أبريل/نيسان 2005 استحوذت مايكروسفت على شركة "جروف" للتطبيقات التكاملية (أي تلك التي تيسر التعاون بين موظفين بشركة في إنشاء وتحرير الملفات النصية والمحاسبية وغيرها آنيا عبر شبكات حاسوبية). وعُين رئيس جروف، راي أوزي، مديرا تقنيا بمايكروسوفت، ليصبح واحدا من المسؤولين الخمسة الكبار في الشركة. وكانت تلك المرة الأولى التي تدفع بها مايكروسوفت مسؤولا بشركة تم شراؤها لهذه المنزلة الرفيعة مباشرة. وقال متابعون لقطاع تكنولوجيا المعلومات حينها إن الغرض من تلك الصفقة كان بالأساس الحصول على السيد أوزي، وهو المبرمج الفذ الذي طور وفريقه "لوتس نوتس" التي كانت من أولى التطبيقات التكاملية في النصف الثاني من التسعينات. ثم تأكدت صحة هذه التحليلات عندما أعلنت مايكروسوفت بعد نحو عام عن المرحلة الانتقالية السابقة لرحيل غيتس، والتي صاحبها ترقية السيد أوزي ليصير معماري البرمجيات الأول، وهو المنصب الذي كان يشغله غيتس منذ العام 2000، وليكتفي الأخير بوظيفة الرئيس (chairman) حتى غرة يوليو الجاري.


فماذا الذي حدث في العام 2005 ليستحث تلك القرارات لدى مايكروسوفت؟ بحلول ذلك العام كانت ثمة ظاهرتان كبيرتان لم يعد ممكنا لمايكروسوفت تجاهلهما أو التهوين من شأنهما. أولهما كان صعود غوغل. ففي أغسطس/آب السابق (2004)، كانت غوغل قد طرحت أسمهمها للاكتتاب العام، محققة أكبر تقييم سوقي لشركة إنترنتية (نحو 22 مليار دولار) في أول أيام التداول منذ انهيار أسهم شركات الإنترنت أواخر العام 2000. وبعد نحو ثلثي العام كانت قيمة سهم غوغل في صعودها الصاروخي، بالغة 180 دولارا، بارتفاع نحو 100% عن سعر الطرح في أغسطس/آب. (ويبلغ سهم غوغل عند كتابة السطور نحو 530 دولارا.) أما الظاهرة الثانية فكانت ترسخ موجة البرمجيات الحرة والمفتوحة.


تحدي البرمجيات الإنترنتية

مثلت غوغل منذ بدايتها تحديا لمايكروسوفت. فمحرك البحث الفائق الذي قدمته غوغل جعل المستخدمين أكثر اعتمادا على الشبكة العالمية في الحصول على المعلومات. وهذا بحد ذاته تهديد لمايكروسوفت التي تجني العوائد من بيع البرمجيات التي تعضد ارتباط المستخدمين بالحواسيب الشخصية (مثل نظام ويندوز وحزمة برمجيات "أوفيس" المكتبية). ومن ثم، فقد كان القلق لدى مايكروسوفت بأن غوغل ربما تستطيع أن تجعل متصفح الإنترنت المزود عبر أي نظام تشغيل (وليس "ويندوز" بالضرورة) نقطة الانطلاق في تعامل المستخدمين مع المعلومات عامة (بحثا وتصنيفا وإنشاءا وتخزينا)، مما قد يُميل كفة الميزان في غير صالح نظام ويندوز وأخواته من منتجات مايكروسوفت.


أما التحدي الأكبر من غوغل فكان اعتمادها على نموذج جديد في تطوير البرمجيات وتحقيق العوائد من ورائها. ففي النموذج السائد في الحقبة قبل غوغل، كانت الشركات تبيع ما تطور من برمجيات، وتجني الأرباح من عوائد بيع تلك البرمجيات وتحديثاتها في الإصدارات الجديدة. وقد تفوقت مايكروسوفت في هذا المضمار، خاصة مع برمجياتها هائلة الانتشار ويندوز وأوفيس. غوغل، بالمقابل، تتيح برمجياتها مجانا في الغالب. منتجاتها مجانية للمستخدم، ولكنها تحصل عوائدها من الشركات التي ترغب في وضع إعلاناتها لتصحب بعضا من تلك المنتجات. وقد أطلقت غوغل الإشارة الأولى على هذا التوجه في أول أبريل/نيسان 2004 بخدمة "جي ميل" (Gmail)، خدمة البريد الإلكتروني الإنترنتي من غوغل. وقد كانت مواصفاتها مغايرة لكل منافسيها (هوتميل وياهو) لدرجة أن ظنها البعض حينها "كذبة أبريل". فبينما توقفت السعة التخزينية لياهو وهوتميل حينها عن 4 و2 ميجا بايت، على الترتيب، أتاحت جي ميل 1000 ميجا بايت (أو واحد جيجا بايت) من السعة التخزينية. إضافة إلى ذلك، كانت حركة التحديث في جي ميل متسارعة للحد الذي بدأ "جي ميل" ينافس نظراءه من برمجيات مايكروسوفت غير المجانية المزودة على القرص الصلب للحاسوب الشخصي مثل برنامج "أوت لوك أكسبرس".


وخلال الأعوام بين 2004 و2007 تأكد توجه غوغل بتقديمها مجانا بدائل مقبولة المستوى لما تقدمه مايكروسوفت بمقابل غير بسيط. وقد شمل ذلك برمجيات لمعالجة النصوص والجداول المحاسبية والعروض التقديمية والرزنامة واستقبال المحتوى المتجدد من المواقع (RSS) وغيرها، وكلها تعمل عبر متصفح الإنترنت فحسب. ويستطيع المرء أن يقوم بإنشاء وحفظ واسترجاع الملفات دون مقابل، ودون تثبيت برامج على حاسوبه الشخصي أو الحاجة لتحديث البرمجيات بانتظام.


وليست غوغل السائر الوحيد على هذا الطريق. فثمة جيل جديد من الشركات التي تقدم كل الخدمات التي كانت مقصورة على برمجيات القرص الصلب عبر متصفح الإنترنت. ومن أمثلة ذلك شركة "زوهو" (Zoho) و"جوفيس" (gOffice) اللتان تقدمان حزمتي برمجيات مكتبية، و"سيلز فورس" (SalesForce.com) لخدمات العملاء المدارة إنترنتياً، وغيرها. بل إن شركة "أدوبي"، المشتهرة ببرنامجها "فوتو شوب" لمعالجة الصور قد بدأت في طرح خدمات إنترنتية لمعالجة النصوص وتحويل الملفات لنسق (PDF) مجانا عبر موقع Acrobat.com. ويطلق البعض على هذه الموجة من البرمجيات الإنترنتية "ويب 2" (Web 2.0)، أو الجيل الثاني من الشبكة العالمية للمعلومات.


أمام هذه الموجة الجديدة من البرمجيات الإنترنتية، بحثت مايكروسوفت عن الإجابات لدى راي أوزي. الآن وبعد مرور نحو عامين على شغله منصب معماري البرمجيات الأول، لا يبدو أنه أنجز الكثير. وهذا مفهوم لأن التغير في بيئة تكنولوجيا المعلومات ربما يفرض على مايكروسوفت أن تغير طريقها الذي سلكته بنجاح لما يزيد على ثلاثة عقود. إذ كيف تستطيع الشركة العملاقة أن تواصل بيع برمجيات يقدم المنافسون أمثالها مجانا للمستخدمين؟ أتستطيع مايكروسوفت أن توزع "ويندوز" أو "أوفيس" مجانا؟ فإن لم يكن ذلك ممكنا، فما الذي تستطيع مايكروسوفت أن تقدمه مجانا للمستخدمين لتحفظ ولاءهم لـ "ويندوز"؟ وما مصير "ويندوز" لو سادت البرمجيات الإنترنتية، تلك التي تعمل عبر متصفح الإنترنت ولا تحتاج بالضرورة لنظام التشغيل الأشهر من مايكروسوفت؟


ربما أدرك غيتس، ذو الثلاثة وخمسين عاما، أنه ليس لديه إجابات وافية لتلك الأسئلة الصعبة. وربما لم يصل أوزي هو الآخر لإجابات. ولكن إلى حين تحصيل إجابات، قررت مايكروسوفت ترسيخ العلامة التجارية لـ "ويندوز" بإضافة تلك الكلمة لطيف واسع من منتجاتها. فصار برنامج التراسل "إم إس إن مسنجر" "ويندوز لايف مسنجر"، وصار "هوتميل" "ويندوز لايف ميل"، ومحرك البحث "إم إس إن" "ويندوز لايف سيرش"، وهكذا. كما طرحت مايكروسوفت مؤخرا خدمة "ويندوز ورك سبيس" المجانية التي تتيح للمشتركين حفظ واستعراض واسترجاع (وليس تحرير) الملفات، خاصة الملفات المنشأة عبر حزمة "أوفيس". ودعمت مايكروسوفت أيضا من إمكانيات التعاون والتكامل في برمجياتها، مما ييسر التشارك في إنشاء وتحرير وحفظ واسترجاع الملفات عبر برمجياتها، خاصة "أوفيس 2007".


خطر البرمجيات المفتوحة

أما النموذج الآخر في تطوير البرمجيات الذي ينازع نموذج مايكروسوفت فهو حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة، وهو اتجاه أطول عمرا وفي ظن البعض أعمق أثرا من البرمجيات الإنترنتية. في هذه البرمجيات يتعاون عشرات أو مئات أو آلاف من المبرمجين طوعا لإنتاج برامج أغلبها مجاني، وتتاح شيفرتها للجميع لمن يريد أن ينشرها أو يغيرها. وهذا يختلف عن البرمجيات المغلقة (أي أي لا تتاح شيفرتها للمستخدمين) مثل كل أو أغلب برمجيات مايكروسوفت وأبل وأوراكل، على سبيل المثال. ومن أشهر البرمجيات المفتوحة نظام تشغيل "لينِكس" وبرمجية "أباتشي" لتشغيل خوادم الإنترنت، و"سند ميل" لتشغيل خوادم البريد الإلكتروني، ومتصفح فايرفوكس، وحزمة البرامج المكتبية "أوبن أوفيس" (OpenOffice.org). وتستخدم البرمجيات الحرة والمفتوحة وزارة الدفاع الأميركية وكبرى البنوك الأميركية، مثل ميريل لنش، وشركات للإنتاج السينمائي مثل "دريم وركس"، وشركات طيران مثل "إير فرانس".


ورغم أن نظام "لينِكس" لا يزال محدود الانتشار على الحواسيب الشخصية (نحو 3%، مقارنة بنحو 93% لـ "ويندوز") إلا أنه أوسع انتشارا على الحواسيب الخادمة للشركات، بنسبة تبلغ 23%، مقارنة بـ 55% لـ "ويندوز"، كما أوردت مجلة فورتشن في أواخر 2004. يبد أن شركة "ديل"، ثاني كبرى شركات تصنيع الحواسيب، بدأت العام الماضي إصدار حواسيب محملة بأحد إصدارات نظام "لينِكس" على بعض طرزها من الحواسيب المحمولة.


وكانت حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة قد بدأت على يد المبرمج والباحث ريتشارد ستولمان بالعام 1984. ولكنها اكتسبت الزخم الكبير بعد أن طور المبرمج الفنلندي "لينَس تورفالدز" نواة نظام تشغيل "لينِكس" في العام 1991 وطرحها عبر الإنترنت للمبرمجين ليبنوا عليها ويحسنوها. وتسارع انتشار "لينِكس" خلال النصف الثاني من التسعينيات، خاصة مع إقدام شركات مثل "رد هات" (ولاحقا "آي بي إم) على تقديم خدمات الدعم الفني للحواسيب العاملة بنظام لينِكس.


لم يكن الخطر الذي تلوح به البرمجيات المفتوحة على منتجات مايكروسوفت مستترا. فالبرمجيات المفتوحة تقدم بدائل، إن لم تكن مجانية فأقل تكلفة من نظيراتها لدى مايكروسوفت. وقد بدا خيار البرمجيات المفتوحة جذابا لدى بعض الحكومات. فقد رأت دول مثل الصين والبرازيل أن اعتماد البرمجيات المفتوحة والإنفاق على تدريب مبرمجين محليين للقيام بالدعم الفني قرار ربما يكون أكثر وجاهة اقتصاديا من بذل استثمارات ضخمة على نفقات ترخيص البرمجيات مغلقة المصدر.


لصد الموجة المتصاعدة للبرمجيات المفتوحة اتبعت مايكروسوفت أساليب شتى. منها حملة إعلانية ضخمة عنوانها "تعرف على الحقائق" (Get the Facts)، محورها أن الكلفة الكلية لاستخدام البرمجيات الحرة والمفتوحة، خاصة "لينِكس" أعلى من تلك المترتبة على استخدام "ويندوز" وأخواته. ولكن يبدو أن هذه الحملة كانت محدودة الأثر، وذلك لأن دراسات من مصادر مختلفة قارنت بين الكلفة الكلية لاستخدام كل من "لينِكس" و"ويندوز" وتوصلت لنتائج متضاربة. ومن ضمن أساليب المواجهة أيضا ما شيع عن دعم مايكروسوفت لشركة أميركية تُدعى "اسكو" (SCO) قاضت شركة "آي بي إم" وعملاءها (ومنهم شركة "مرسيدس") في عام 2003 بدعوى استخدامهم بغير وجه حق أجزاءا من الشيفرة البرمجية لنظام "يونكس" (التابع لـ "اسكو") في نظام "لينِكس" الذي تستخدمه "آي بي إم" على حواسيبها الخادمة. في هذه الدعوى طالبت "اسكو" بتعويض قدره 6 مليار دولار، ولكن رفضت المحكمة الدعوى في أواخر 2006.


أوان الرحيل .. والمهادنة

إذا، بحلول العام 2005 كان جليا أن البرمجيات الحرة والمفتوحة راسخة الجذور. ولم يكن ثمة دلائل على أن بيل غيتس ورفاقه لدى مايكروسوفت قد توصلوا بعد لطريقة ناجعة للتعامل مع هذا النموذج في تطوير البرمجيات الذي يناقض نموذجهم. وربما بدا لغيتس أنه لم يكن مؤهلا لمواجهة هذا التحدي. فآثر غيتس المضي قدما نحو مؤسسته الخيرية، تاركا البرمجيات المفتوحة وأسئلتها الصعبة للدماء الجديدة في الشركة العملاقة.


ويبدو للّحظة أن راي أوزي أميل للمهادنة مع البرمجيات المفتوحة. فبدلا من الصدام – وهو التوجه الذي يشيع أن الرئيس التنفيذي للشركة ستيف بولمر يفضله – أتاحت مايكروسوفت خلال العامين الأخيرين إمكانيات تعضد للمرة الأولى التوافق (interoperability) بين الحواسيب العاملة بـ "ويندوز" وتلك العاملة بـ "لينِكس" داخل الشبكة الحاسوبية الواحدة أو عبر شبكات مختلفة.


وفي أجواء التحديين الكبيرين – البرمجيات الإنترنتية والبرمجيات الحرة والمفتوحة – بدا تنحي غيتس عن عرش مايكروسوفت أقل احتفالية مما ظن كثيرون. وفي هذا ما يدعو، ربما، لبعض التعاطف. فهذا الرجل المشهود بعبقريته والذي لم يبلغ بعد أواسط العقد السادس من عمره قد بنى أكبر شركة برمجيات في العالم؛ وحتى بزوغ غوغل، كانت مايكروسوفت أسرع الشركات نموا في التاريخ. ولكن يكاد يكون ثمة اتفاق بأن مايكروسوفت ربما تكون في واحدة من أضعف لحظاتها عبر حياتها الممتدة لما يزيد على ثلاثين عاما، إذ لا تزال أسئلة كبيرة حول مسار الشركة المستقبلي قائمة بغير إجابات.

وليد الشوبكي

نشر المقال بصحيفة السـفير اللبنانية، في العاشر من يوليو 2008.


مصدر الصورة: فليكر Flickr