الخميس، 6 فبراير 2014

بين حكم القانون وحكم القانونيين

مقال نشر في شطرين على موقع الجزيرة نت أوائل فبراير ٢٠١٤.


لو انتهى بك التقافز بين محطات التليفزيون، ذات ليلة سَهداء، إلى حوار حول شأن من شؤون السياسة، فأغلب الظن أن أحد المتحاورين أو جميعهم من القانونيين—محامين أو أساتذة قانون أو قضاة سابقين. وتجلّى الحضور الكبير للقانونيين، ولا يزال، في النقاشات حول الدساتير وقوانين الانتخاب وحدود سلطات الحكم (التنفيذية والتشريعية والقضائية) التي أعقبت موجات الانتفاض الشعبي في الربيع العربي.

ولا عجب أن يحتل القانون (والقانونيون) مساحة واسعة فيما يدور من نقاشات. فقد برز من بين المطالب التي رفعتها الانتفاضات الشعبية إرساء حكم القانون. وانطوى هذا المطلب على طيف من الأمور، مثل استقلال القضاء، وترويض الأجهزة الشُرَطية، ولجم صلاحيات المسؤولين التنفيذيين، وحماية الحريات والممتلكات من نظم حكم جعلت القانون وسيلة للبطش، أو لتعزيز مصالح المقربين، أو لكليهما.

بيد أن السعي لحكم القانون أدى لما يشبه حكم القانونيين. والمقصود أن القانونيين، من محامين وأساتذة قانون وقضاة، ربما حازوا دورا استثنائيا في صياغة المشهد السياسي، وفي إرساء القواعد الجديدة للمُناخ السياسي للمستقبل. وهو دور يبدو متجاوزا حظوظ جماعات أخرى كالنقابات المهنية واتحادات العمّال، وعموم الأكاديميين، بل والأحزاب السياسية. ومن مظاهر ذلك، مثلا، أنك تجد حضورا غالبا للقانونيين في نقاشات مسودات الدساتير ومشاريع القوانين، لحد أن بدا وكأن الدستور شأن القانونيين، وليس تعاقدا (سياسيا) بين المنتمين لمجتمع معيّن. ومن ثم، فإنه لا يكاد يخلو برنامجُ تليفزيون من قانوني يعلق ويحلل أو يوصي ويحذر.

وفي كثرة من تلك المُحاورات تَوجّه جُل الاهتمام للتفاصيل اللغوية لمادة في دستور أو بند في قانون أكثر مما توجه للأبعاد السياسية التي يُرجَى من الصياغة القانونية أو الدستورية توثيقها. فبدت النقاشات أحيانا وكأنها مباريات بين متخصصي القانون (أو صَنَايْعِيَّة القانون بحسب تعبير شائع في العامية المصرية)، كل يبغي أن يَبُزّ الآخر باستدعاء مبدإ قانوني عتيق، أو بالاستشهاد بقضية شهيرة في تاريخ القضاء الفرنسي، أكثر من السعي لدعم أو دحض الوجاهة السياسية والمنطقية للقانون المعروض في ضوء مستجدات الواقع السياسي في تونس أو مصر أو اليمن.

وحين هلّت لحظة الانتخابات كان القانونيون، مجددا، أكثر من غيرهم إقبالا على الترشح. ففي الاستعدادات للانتخابات الرئاسية في مصر انتمى إلى جماعة القانونيين، من بين من أعلن عزمه الترشح أو تقدم للترشح في مصر، كل من عمرو موسى ومحمد البرادعي ومحمد سليم العوا وخالد علي وهشام البسطويسي وعبد الله الأشعل. وقُبَيل وبُعيد الانتخابات كان القانونيون (من محامين وقضاة) في الواجهة مع تصاعد الدور الذي لعبته المحكمة الدستورية العليا. إذ أصدرت الأخيرة قرارات عميقة الأثر في المشهد السياسي، مثل إبطال قانون العزل السياسي وإبطال قانون الانتخاب (ما أدى إلى حل مجلس الشعب)، وإبطال الإصدار الأول من قانون إنشاء لجنة الدستور، ولاحقا رفض قانون الانتخاب لمجلس النواب ورده لمجلس الشورى.

يفرض الدور المتعاظم للقانونيين سؤالين متصلين بمصير التحول الديمقراطي في بلادنا عقب الهزات الأولى للربيع العربي. أُولاهما، كيف اجتمع للقانونيين (خاصة المحاكم الدستورية) هذا الطيف من السلطات؟ أو بصياغة أخرى، لماذا قبلت السلطات الأخرى، كالتشريعية والتنفيذية، إسناد دور محوري في العملية السياسية للقضاة، وليس أي من هؤلاء الذين يعتلون المنصات في المحاكم منتخَبا أو معبِّرا مباشرةً عن الإرادة الجمعية للمواطنين؟ وأما السؤال الثاني، فإلى أي مدى يعزز الحضورُ الغالبُ للقانونيين، أو يعرقل، التحولَ الديمقراطي في مراحل الانتقال السياسي؟ في الفقرات التالية محاولة للإجابة على السؤال الأول ولإلقاء الضوء على الإشكالية التي يطرحها الآخر.

السبت، 4 يناير 2014

خمسون عاما على رحيل كنيدي

نشر المقال في عدد ديسمبر ٢٠١٣ من مجلة الجزيرة نت، إصدار الآيباد.

[الشكر والامتنان واجبان لحسام خليل، الكاتب والمترجم من مصر، على مراجعته المقال وتدقيقه.]

لم تكن قد مرّت ساعة على تعرض الموكب الرئاسي للرصاص، حين أعلن وولتر كرونكايت، مذيع شبكة التليفزيون “سي بي إس”، وهو يبدل مضطربا موقع نظارته ليواريَ دمعه، أن الرئيس الخامس والثلاثين للولايات المتحدة قد لقي مصرعه.

كان لاغتيال جون كنيدي وقعُ المأساة. فبُعَيْد انطلاق الرصاصات الثلاث القاتلة في مدينة دالاس في خريف العام ١٩٦٣، بث هؤلاء الذين نعوا كنيدي شعورا جمعيا بأن الموت الذي عاجل الرئيس الشاب قد حال بينه وبين إكمال مشروعه. وإن قصد النّاعون أبعادا مختلفة ومعاني متباينة لذلك المشروع. فحفلت تعليقات الكتاب وافتتاحيات الصُحُف بمفردات “النهاية قبل الأوان،” ثم بالسؤال المنبثق من ذلك المعنى، والذي شغل كُتّابا ومؤرخين لأعوام وعقود تالية: “ماذا لو لم يُقتل كنيدي في ولاية الجنوب تكساس، في الثاني والعشرين من نوفمبر؟”


بعد نحو شهر من الاغتيال، نَعَتْ حنا أرِنت، الكاتبة الشهيرة، جون كنيدي والبابا يوحنا الثالث والعشرين (الذي رحل قبل كنيدي بأشهر على أثر الإصابة بسرطان المعدة) فقالت: “الراحلان كلاهما غادرا قبل الأوان كثيرا، وذلك باعتبار المشروع الذي بدأه كل منهما ولم يكمله. وقد تغير العالم وأظلم حين سقط في الصمت صوتاهما. ورغم ذلك، فإن حياتيهما قد غيرتا العالم، ولن يعود العالم أبدا لما كان قبل أن يرى هذين الرجلين.”

فما الذي تغير برئاسة كنيدي الولايات المتحدة لألْفٍ من الأيام؟ هل فقد الأميركيون بموته رمز الأمل في عهد ما بعد الحرب الكبرى؟ أكان ثمة فجوة بين أقواله وأفعاله واضطراب في صياغة مواقف بلاده، حسبما كتب في العام ١٩٦٦هانز مورغنثاو؟ وهل كان أثر كنيدي على المزاج الأميركي محصورا في سياساته كرئيس، أم في قصته (وآلامه) كشخص لم يكن براءا من العيوب، عاش حياة أغلبها في الوعي العام؟

وماذا لو لم يُغتل كنيدي، وأمهله الرصاص لإكمال فترته الرئاسية الأولى، واستمر بعدها لفترة ثانية حسبما كانت خططه؟ أكان يتغير مسار تاريخ الولايات المتحدة داخليا أو في علاقاتها بالأعداء والحلفاء؟ أكان يتغير مسار الحرب الباردة، أو تتبدّل طبيعة العلاقة بين البيض والسود ومسار حقوق المواطنة؟ أكان الرئيس الشاب، الذي كثيرا ما بشّر في خُطبه بقيم الحرية لكل البشر، يوجه الولايات المتحدة لمسلك غير الذي سلكته (عبر أجهزة الاستخبارات) في سعيها لإسقاط أو إضعاف الأنظمة المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي أو المناوئة للقطب الغربي؟

وإذ تعبر بنا هذا العام الذكرى الخمسون لرحيل كنيدي – ذكرى الاغتيال في الثاني والعشرين من نوفمبر ١٩٦٣ — لا يزال السعى متصلا للإجابة عن طرف من تلك الأسئلة. وآية ذلك ظهورُ طيفٍ جديدٍ من الكتب والأفلام (والصور على أغلفة المجلات السيارة) عن كنيدي التي صاحبت الذكرى. ورغم أن نحو أربعين ألف كتاب قد تناولت حياة وموت كنيدي منذ صعوده إلى سُدَّة الحكم في العام ١٩٦١، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز،" فإن أثره لا يزال "مراوغا،" كما كتبت "جيل أبرامسن" المحرر التنفيذي للصحيفة الأميركية واسعة الانتشار.

هذا الاستعصاء وهذه المُرَاوغة، في جانبٍ منهما، مردُّهما إلى قِصر ما قضى كنيدي في الحكم، ثم لاغتيال شقيقه “روبرت” (وكان النائب العام في عهد أخيه) في العام ١٩٦٨، ثم لحرص آل كنيدي، من زوجته وإخوانه ومن عملوا في إدارته، على التحكم في رواية التاريخ عن الرئيس الشاب. ومن ذلك، مثلا، أن بعض الحوارات المسجلة لزوجة كنيدي، جاكلين، لن تتاح قبل العام ٢٠٦٧.

فماذا بقي من كنيدي، في السياسة الأميركية وفي الوعي الأميركي، بعد خمسين خريفا من رحيله ظهيرة ذلك اليوم البعيد من نوفمبر؟