الأربعاء، 31 ديسمبر، 2008

مايكروسوفت وحقبة بل جيتس: كشـف حسـاب

إذ يغادر بيل جيتس منصبه التنفيذي على رأس مايكروسوفت ليتفرغ لمؤسسته الخيرية، فإنه يترك وراءه شركة تمس بمنتجاتها شتى أوجه حياتنا منذ سبعينيات القرن الماضي. ويُخلّف وراءه أيضًا مسألة الاحتكار التي تقض مضجع الشركة العملاقة منذ أوائل التسعينيات الماضية.

فسعيها الحثيث للمنافسة في ميادين عدة قد جعلها دومًاً محط انتقاد، وهدفًاً للدعاوى القضائية التي لا زالت بعض جولاتها تدور في أروقة المحاكم إلى الآن. فكيف بلغ جيتس قراره بالتنحي عن عرش مايكروسوفت في تلك الظروف؛ وما مستقبل عملاق البرمجيات بعد رحيله؟ هذا ما يكشف عنه هذا الملف عبر المحاور التالية:

- كيف صارت مايكروسوفت أكبر شركة برمجيات في العالم؟

- هل مايكروسوفت شركة احتكارية؟

- كيف يبدو مستقبل مايكروسوفت بعد رحيل جيتس؟

النصوص الرقمية ونهاية حقبة الورق

لهؤلاء الذين يخشون أن يكون انحسار المطبوعات الورقية نذيرًا بأفول الكلمة المكتوبة عامة، ثمة جيل جديد من التقنيات ربما يحمل لهم أخبارًا سعيدة.

للكتّاب ولعٌ مفهوم بالأسطر المنسابة على الورق. وهو ولع يشوبه القلق الناتج عن تراجع مستمر للكتب والمطبوعات الورقية عامة. ويلخص الصحافيّ المرموق محمد حسنين هيكل هذا الشعور في تصدير سلسلته "عمر من الكتب": "الكلمة المكتوبة على الورق باقية؛ والكلمة المسموعة على الإذاعة والتليفزيون عابرة؛ والكلمة المكهربة على الكمبيوتر فوارة، وهي مثل كل فوران متلاشية".

ولهذا القلق ما يبرره، ليس فحسب للكتّاب (الذين يكسبون من الكتابة رزقهم)، وإنما أيضا للمهتمين بدور الصحافة عامة. فالصحيفة الجيدة- كما قال المسرحي الأمريكي آرثر ميلر- "نتاج أمة في حوار مع ذاتها".

الجمعة، 21 نوفمبر، 2008

خليج ما بعد النفط

تسعى ثلاثة من دول الخليج العربي، بفلسفات متباينة، إلى توطين العلوم على أراضيها بمشروعات تعاون وشراكة مع مؤسسات أكاديمية غربية، مستفيدة من ثروات نفطية متزايدة. فما فرص هذه المشروعات في النجاح؟

وليد الشوبكي[1]

في مايو/أيار الماضي عدّلت كلية الطب بجامعة كورْنل الأميركية تقليدا اتبّعته لأكثر من مئة عام. فعقدت احتفالين بتخريج دفعة جديدة من أطبائها، أولهما يوم الثامن في "المدينة التعليمية" على أطراف العاصمة القطرية الدوحة. والآخر يوم التاسع والعشرين بمدينة إثاكا على أطراف ولاية نيويورك، كما جرت العادة منذ العام 1898،.

بين حفل الدوحة ونظيره في نيويورك امتد فاصلا المكان والزمان: ما يربو على أحد عشر ألف كيلو مترا، وثلاثة أسابيع. ولكنهما يمثلان بالأساس حالة من التقارب بين مؤسسسات تعليمية وبحثية في الغرب (خاصة الولايات المتحدة) ودول عربية تسعى لإحداث قفزة في مؤسساتها التعليمية والبحثية. وأجلى مظاهر ذلك مبادراتٌ عربية ترتكز على ابتكار وتجريب مقاربات جديدة في التعاون والشراكة مع مؤسسات أكاديمية مرموقة.

تتمة المقال في "الحياة" اللندنية

ونسخة أطول على موقع إسلام أونلاين.


[1] تحاشيا لما قد يكون تعارضا في المصالح، يقرّ كاتب السطور بأنه حصل على منحة دراسية من "مؤسسة قطر" التي وردت بالمقال. ووَجب ذكر ذلك إعمالا للتقاليد الصحافية.

الخميس، 28 أغسطس، 2008

من الحواسيب الشخصية للحوسبة المُوَزّعة

لم ينته بعد عهد أجهزة الكومبيوتر الشخصية، لكنها، وبسبب بزوغ ظاهرة الحوسبة المُوزعة، ربما تفقد تدريجياً دورها كمحور تعامل المستخدم مع المعلومات.

فقد كثُر الحديث خلال العام الجاري وسابقه عن الحوسبة المُوزّعة أو حوسبة الغمام (Cloud Computing)، باعتبارها الوجهة المستقبلية في تقنيات المعلومات. وكما الحال عندما تبزغ مصطلحات أو ظواهر جديدة في ذلك الميدان، تتواتر إلى جانب الحقائق مبالغات وتخمينات. فحتى تعريف المصطلح لا يزال محل تنقيح وإعادة نظر لدى المتخصصين، بحسب ما ذكر مدير مشروعات الحوسبة عالية الأداء بشركة »آي بي إم«، ويلي تشيو، (Willy Chiu) في مقال نشر له الشهر الماضي.

ولا مفر قبل الخوض في »الحوسبة الموزعة« من إشارة لسبب اختيار هذا التعبير كترجمة لمصطلح (Cloud Computing). فقد ترجمته بعض التقارير الصحافية العربية إلى »حوسبة الغمام« و»حوسبة السحب«. غير أن هاتين الترجمتين ربما تنأيان بمخيلة القارئ عن المعنى المقصود للتعبير. ومن ثمّ كان تفضيل »الحوسبة الموزعة«، الذي قد لا يكافئ المصطلح الإنجليزي بصورة مباشرة، ولكن يشرحه بصورة أكثر دقة.

الأحد، 17 أغسطس، 2008

مواقع الإنترنت بين التشبيك الاجتماعي والذكاء الجمعي

"فيس بوك" ليس ذروة الإنترنت:
مواقع الإنترنت بين التشبيك الاجتماعي والذكاء الجمعي

من بين ما خلب لب لبنانيين كثر مؤخرا موقع الإنترنت "فيس بوك" Facebook، الذي ييسر التواصل بين الأصدقاء القدامى أو التعرف على جُدد. وللحق، ليس اللبنانيون وحدهم من مسّهم الولع بما أطلق البعض عليه "ظاهرة الفيس بوك". ففي مارس/آذار الماضي بلغ عدد مستخدمي الموقع – الذي تأسس في فبراير/شباط 2004 – نحو 50 مليونا. وتقدر قيمة الشركة الآن عند حوالي 15 مليار دولارا، أي ما يكافئ نظريا ضعف التقييم السوقي لأسهم شركة "جنرال موتورز" للسيارات وفق أرقام أواخر يونيو/حزيران الماضي (وهذا تقييم نظري لأن "فيس بوك" شركة خاصة، أي ليس مدرجا في البورصة وليست له أسهم متداولة).

ويُعزى نجاح "فيس بوك" عادة إلى تمكنه من توفير وسيط للتواصل الاجتماعي غير مسبوق في حقبة الإنترنت. فعبر الـ "فيس بوك" يستطيع المرء أن يتبادل الرسائل، كلماتٍ أو صورا، مع أفراد أو جماعات، وأن يطلع على "سجل" متجدد لما يقوم به الزملاء والمعارف، وأن ينشئ أو ينضم للمجموعات التي تركز على هدف واحد، سواءا الدعوة للحفاظ على أحد الحيوانات المعرضة للانقراض أو الإجماع على كراهية أستاذ جامعي معين. ومن ثم فربما يكون أدق تعريف لـ "فيس بوك" أنه جمّع تقنيات التواصل الإنترنتي السابقة عليه (البريد الإلكتروني، والقوائم البريدية، والمنتديات، بل والمدونات) في حزمة واحدة، سهل استخدامها عبر نافذة متصفح الإنترنت.

وليس الـ "فيس بوك" وحيدا في ميدان ما يُسمى مواقع "التشبيك الاجتماعي" (social networking). فهناك مئات المواقع المنافسة، منها MySpace.com، Ning.com، Orkut.com، وويندوز لايف سبيسز.

أثر التشبيك
وتقوم هذه المواقع على ما يعرف بـ "أثر التشبيك" (network effect) أو "قانون متكافيه" (Metcalfe’s Law). ويذهب هذا القانون إلى أن قيمة أي شبكة للتواصل (اجتماعية أو هاتفية أو إنترنتية أو غيرها) تنمو باطّراد يكافئ ضعف الزيادة عدد الأفراد الذين يستخدمونها. فمثلا، لو أن لدينا شخصا واحدا فقط يستخدم البريد الإلكتروني فإن تلك التقنية الجديدة لن تؤتي أي ثمار. ويختلف الحال لو زاد عدد المستخدمين إلى 5 أو 10 أو مليون. فكلما زاد عدد مستخدمي التقنية الجديدة، زادت الفوائد المتحققة من استخدامها، إذ سيكون ذلك بمثابة معيار موحد لإجراء نوع معين من التعاملات، بدلا من استخدام معايير مختلفة (الفاكس والبريد الإلكتروني). وهذا ما يعنيه أثر التشبيك.

ولعل هذا يفسر نجاح "فيس بوك" ورفاقه. ففي المحصلة، ما يميز "فيس بوك" ليس خدمة بريده الإلكتروني أو خدمة النقاشات العامة (فكلاهما موجود لدى مواقع أخرى منذ أعوام طويلة)، وإنما العدد الهائل من المستخدمين الذين يتراسلون عبر البريد الإلكتروني ويتبادلون الرأي، أو يتجادلون، في منتديات النقاش لـ "فيس بوك". ولاجتذاب الجموع الغفيرة اللازمة لذلك، عمل مطورو "فيس بوك" على جعل واجهة المستخدم بسيطة، مع إمكانية أن يضيف المستخدم عشرات أو مئات البرمجيات الصغيرة التي تجعله أكثر ارتباطا بالموقع (لتبادل الصور وملفات الفيديو والرسم والألعاب الإنترنتية وغيرها). وكلما زاد عاد المستخدمين، تحسنت فرص اجتذاب المزيد منهم، وهكذا دواليك. فلو أن لدينا مثلا مجموعة للمستخدمين من مدينة صيدا، فإن ذلك يمثل حافزا لإقبال المزيد من الصيداويين للاشتراك بهذه المجموعة. وتؤدي زيادة عدد المشتركين إلى جعل المجموعة أكثر قوة واجتذابا للمزيد، لأن كثرة أفرادها يرفع احتمال أن يعثر المشتركون الجدد على معارف أو أصدقاء لهم ضمن المجموعة.

الشبكات الكبيرة .. مشاكلها كثيرة
بيد أن الباحثة دانا بويد (Danah Boyd) من جامعة كاليفورنيا-بيركلي أثارت أسئلة جديدة في دراسات منشورة العام الماضي حول العلاقة بين مفهوم أثر التشبيك (أو قانون متكافيه) ومواقع التشبيك الاجتماعي. ففي رأيها أنه لدى الحديث عن تلك المواقع، ليست أعداد المستخدمين وحدها كافية للدلالة على قوة الشبكة ونجاحها. وإنما يجب أن يؤخذ في الاعتبار القيمة التي يضيفها كل مستخدم لتلك الشبكة. فمثلا، استخدام أفراد كُثُر لبرنامج "ورد" (Word) لمعالجة النصوص يتسق مع أثر التشبيك (أو قانون متكافيه) لأنه ييسر قراءة وتبادل الملفات بين عدد أكبر من الأفراد، ومن ثم يوفر الوقت المستغرق في سؤال الطرف الثاني (المستقبِل) عن البرنامج الذي يستخدمه، وما إذا كان متوافقا مع برنامج "ورد". ويصدق الأمر ذاته على جهاز "الفاكس". فذلك الجهاز ييسر تبادل الملفات. وكلما زاد عدد مستخدميه ساهم ذلك في توفير المزيد من الوقت ورفع الإنتاجية (إذ أن هؤلاء الذين يملكون الفاكس لا يستخدمونه لتبادل النكات).

ويختلف ذلك، برأي الباحثة بويد، عما يحدث في أغلب مواقع التشبيك الاجتماعي مثل "فيس بوك" و"ماي سبيس". فنظريا، تتقوى تلك الشبكات وتصير أكثر جاذبية للمزيد كلما التحق بها أفراد جدد. ولكن الواقع لا يتسق كلية مع تلك الفرضية. فما الذي يضيفه كل مستخدم في تلك الشبكة؟ باستثناء الحالات التي يُستخدم فيها "فيس بوك" للتواصل بين أفراد العائلة الواحدة الذين شتتهم الجغرافيا، ليس واضحا كيف ترتفع إنتاجية الأفراد أو الشبكة من تبادل الرسائل أوالصور أو النكات أو إنشاء مجموعة إنترنتية لمحبي الممثل المشهور دريد لحام، أو إخبار 25 ألف شخص بدلا من 25 أن فلانا فاز بودّ فلانة وأنهما يزمعان الزواج.

وتَخلُص بويد إلى أنه في الحالات التي لا يضيف فيها الأفراد قيمة للشبكة، فإن كبر حجمها يكون وجه ضعف وليس وجه قوة. ففي تلك الحالة، كلما زاد عدد أفراد الشبكة، كلما ارتفعت احتمالات الرسائل غير المرغوبة، والمضايقات، والدعوات والرسائل الآتية من غرباء. وينتهي الأمر بأن ينصرف الأفراد عن تلك المواقع حين تصبح، بمضايقاتها وإلهاءاتها والوقت المُنفق فيها، عبئا ثقيلا وليس وسيلة للتواصل الاجتماعي. ولهذه الأسباب يُعزى أفول مواقع تشبيك اجتماعي كانت يوما ملء الأبصار مثل "فرندستر" (Friendster) و"الدرجات الست" (Six Degrees).

حقبة الذكاء الجمعي؟
وبينما لا يزال مستقبل مواقع "التشبيك" محل جدل، فإن ثمة خطا تطوريا آخر سلكته مواقع إنترنت عديدة ناجحة مثل أمازون (Amazon.com) وإي باي (eBay). وفيه لا تكتفي المواقع بإتاحة فرص التشبيك الاجتماعي بين المستخدمين وإنما تعمل على الاستفادة من ذكائهم الجمعي.

وربما يكون موقع أمازون – الذي أنشئ عام 1994 – أول من اتخذ هذا التوجه. فمنذ البدايات الأولى سعى جيف بيزوس – مؤسس ورئيس أمازون – لجعل مساهمات مستخدمي الموقع أكثر من مجرد حيلة لاجتذابهم مجددا لمتجر الكتب الإنترنتي، وإنما لتمييز أمازون عن المنافسة من خلال المحتوى الذي يقدمه القراء. وكان من أولى تلك الإضافات أن يُسمح للقراء بأن يضيفوا آراءهم وتعليقاتهم حول الكتب التي يشترونها عبر الموقع. ومن ثم يطلع المشترون الجدد على مدى أوسع من الآراء حول الكتب قبل شرائها. ومن بين ما أتاح أمازون أيضا إمكانية التعرف على أنماط سلوك المستخدمين الآخرين (بغير تحديد أسمائهم بالطبع) حين يشترون ذلك الكتاب الشعري أو تلك الرواية. فمثلا لو أنك اشتريت كتابا عن الحرب العالمية الثانية، سيخبرك الموقع أن المستخدمين الذين اشتروا هذا الكتاب، اشتروا أيضا تلك الكتب، ويعطيك قائمة بالكتب ونسبة شراء كل منها. كذلك، حين تنشئ قائمة بكتبك المفضلة، سيخبرك الموقع بأن المستخدمين الذي وضعوا أيا من تلك الكتب على قوائمهم المفضلة، أضافوا أيضا كتب كذا وكذا. ولو أنك حددت كتابا أو مجلة ليدخل قائمة المتابعة لديك (watch list)، لتترقب التغير في سعره مثلا، سيخبرك الموقع بالكتب في قوائم المتابعة للمستخدمين الآخرين الذين يشتركون معك في الاهتمام بكتاب أو أكثر.

والمقصود أن مطوري أمازون راعوا أن يستفيد كل مستخدم للموقع من الذكاء الجمعي لكل المستخدمين. وتكون المحصلة رضا أكبر لدى هؤلاء المستخدمين عن خدمات الموقع.

وقد ساهمت هذه الخواص الفريدة في تواصل إقبال المستخدمين على أمازون رغم المنافسة الشديدة من منافسيه الذين يملكون شبكات واسعة لتوزيع الكتب في الولايات المتحدة (مثل بارنز آند نوبل وبوردرز). وعندما توسع أمازون في تقديم منتجات غير الكتب (مثل الإلكترونيات والأدوات المنزلية وغيرها)، تواصل الاعتماد على مفهوم الاستفادة من الذكاء الجمعي للمستخدمين. فمن يشتري حاسوبا عبر أمازون سيجد قائمة بمنتجات مكملة (للحماية من الفيروسات أو لحماية شاشة الحاسوب وغيرها) في انتظاره، ليختار منها ما يريد. ويصحب كل منتج تعليقات وآراء عشرات أو مئات المستخدمين عن الحسن والرديء فيها.

ومن أشهر من نجح في الاستفادة من الذكاء الجمعي لمستخدميه أيضا موقع "إي باي". بدأ الموقع العمل أواخر 1995 ليكون وسيطا بين هؤلاء الذين يرغبون في بيع أشياء لم يعودوا يرغبون فيها – كساعة أو حاسوب أو رف أحذية – وهؤلاء الذين يرغبون في شراء تلك الأشياء. ولكن سرعان ما واجهت بيير أوميديار (مؤسس "إي باي") مشكلة: كيف سيثق المشترون بأن البائعين سيرسلون الأشياء والأمتعة حسب الاتفاق متى حصلوا على النقود؟ وكان الحل ان ابتكر أوميديار ورفاقه نظام التقييم (rating system)، وفيه يقيم كل مشترِ البائع بعض إجراء التعامل. وتظهر محصلة تقييمات الآخرين بجوار اسم كل بائع ومنتجاته، وهو لا يستطيع أن يغير هذا التقييم أو يؤثر فيه سلبا أو إيجابا. ومن ثم فإن هذا النظام المبتكر ساعد تدريجيا وبغير إدارة مركزية له على طرد غير الأمناء خارج منظومة "إي باي". إذ من سيُقبل على شراء سلعة من بائع تقييمه الكلي 50% حين يكون هناك بائعون تقييمهم 99%؟


المحررون يمتنعون
وقد انتقلت ممارسات الاستفادة من الذكاء الجمعي للمستخدمين إلى مواقع الصحف أيضا. ففي الماضي كان قراء النسخ الإنترنتية للصحف يجدون إلى جانب المقال المعروض قائمة بـ "المقالات ذات الصلة" أو "المقالات المتعلقة". وكان المحررون هم من يقرر أي المقالات يدخل تلك القائمة. أما الآن، فنادرا ما تجد هذه القوائم (أو ستجدها أسفل الصفحة)، وستجد بديلا عنها قوائم أخرى مثل: أكثر المقالات إرسالا بالبريد الإلكتروني؛ أكثر المقالا التي حظيت بتعليق وروابط إليها عبر المدونات؛ أو أكثر المقالات التي بُحث عنها، أو عن كلمات فيها، عبر محركات البحث مثل غوغل وياهو. هذا ما تفعل الآن صحف مثل "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست". ولو أن لديك حسابا (مجانيا) لدى موقع "نيو يورك تايمز" وحفظت أحد المقالات عليه، فستبزغ أمامك رسالة لا تختلف عما تراه على "أمازون": "القراء الذي حفظوا هذا المقال، حفظوا أيضا هذه المقالات". ويتبع الرسالة قائمة بمقالات من الصحيفة واسعة الانتشار.

وثمة أمثلة كثيرة أخرى من ميدان تقنيات المعلومات على الاستفادة من الذكاء الجمعي. فعلى موقعي Digg.com وDelicious.com يعطي المستخدمون درجة أو تقييما للمقالات التي تصادفهم على الإنترنت. وتحظى المقالات الأكثر قراءة وتقييما بالصدارة على هذين الموقعين، إلى أن تحل محلها أخرى. ثم إن هناك بالطبع حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة (Free and open source software) التي يجتمع فيها المبرمجون، تطوعا، لإنجاز مشروعات برمجية ضخمة. ومن أشهر منتجات هذه الحركة نظام تشغيل لينِكس ومتصفح فايرفوكس. بل إن محرك البحث غوغل ذاته يستفيد من الذكاء الجمعي للمستخدمين. فتقييم الصفحات في محرك غوغل (والذي يتحدد بناءا عليه ما إذا كانت تلك الصفحة ستأتي في صدر نتائج محرك البحث أو في ذيلها) يعتمد على الروابط التي ينشئها المستخدمون. فكلما زاد عدد الروابط، وكذا تقييم الصفحات التي خرجت منها هذه الروابط، كلما زادت تقييم الصفحات التي تؤدي إليها تلك الروابط، ومن ثم زادت فرصها في الظهور في أوائل صفحات النتائج على غوغل.

ويجمع بين تلك الأمثلة – أمازون وإي باي وحركة البرمجيات الحرة والمفتوحة وغوغل – أن نجاحها لم يعتمد فحسب على عدد الأفراد المشتركين فيها، وإنما على قيمة ما، مهما صَغرت، يقدمها كل فرد في الشبكة، فيرتفع رصيدها، أو رصيد كل أفرادها على أثر ذلك. ففي أحدها يقرأ المستخدم كتابا وينبئ الآخرين عن جودته. وفي أخرى يقرأ المستخدم مقالا، ويثني عليه، فيعرف الآخرين بذلك. وفي مثال ثالث، يعثر مستخدم على موقع هام، فيضيف رابطا إليه، فيرفع تقييمه لدى محركات البحث ليستفيد منه الآخرون. ويبدو أن ذلك يختلف عن موجة مواقع التشبيك الاجتماعي التي تبني مجدها على الأعداد فحسب، ودون النظر لما تقدم تلك الأعداد الغفيرة في استخدامها للشبكة. وتلك المواقع، كما ذكرت مجلة "إكونومست" في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، غالبا ما تثبت الأيام أن لا جذور لها؛ فهي تقليعة أو "موضة" لن تلبث أن تذوي لتفسح الطريق لغيرها.


وليد الشوبكي

نُشر المقال بصحيفة الـســفير اللبنانية، في الرابع عشر من أغسطس/آب 2008.

الخميس، 24 يوليو، 2008

آيفار جيفر: لم تعد ثمة أسئلة كبرى في الفيزياء

"السفير" في ملتقى فيزيائيي نوبل، حيث يسبح أحدهم ضد التيار

آيفـار جيفـر: لـم تعـد ثمـة أسـئلة كبـرى أمـام عـلمـاء الفـيزيـاء



على جدران القاعة الرئيسة لمركز المؤتمرات "انزلهال" بمدينة لنداو الألمانية تَراصّت صور الفيزيائيين الحاصلين على جائزة "نوبل" الذين يشاركون في دورة هذا العام من الملتقى السنوي. ومن بين الابتسامات الوادعة لعلماء يخطو أغلبهم في العِقد الثامن من العمر، تبرز صورة الدكتور آيفار جيفر (Ivar Giaever) بابتسامته اللعوب وقد أخرج لسانه للناظرين

بيد أن الجدل الذي أثاره جيفر لم يكن سببه الصورة، وإنما آراؤه التي بثها غير مرّة عن الأسئلة الكبرى الباقية في الفيزياء وتغيّر المناخ وغيرها


فلم يكن قد مضى سوى بضع دقائق على بداية محاضرة الفيزيائي النرويجي-الأميركي، في ثاني أيام المؤتمر، حين ألقى بسؤاله: "ماذا يحتاج في رأيكم مهندس ميكانيكا من النرويج ليفوز بجائزة نوبل؟" وبعد برهة صمت، تطوع بالإجابة: "لا شك سيحتاج لقسط كبير من ذلك।" وأشار بيده لشاشة العرض المتصلة بحاسوبه الشخصي وقد أضاءت عليها، بحروف إنجليزية ضخمة، كلمة "الحظ". وفي ختام كلمته عن اكتشافاته في مجالات التوصيلية الفائقة والنفاذية، كان من بين النصائح التي قدمها للباحثين الشباب أن يتذكروا أن النجاح في مجال الفيزياء ينطوي على منافسة شرسة تقتضي أحيانا أن يتخلى الباحث عن دماثة أخلاقه مع زملائه.


ورغم نزوع آيفار جيفر الظاهر للمزاح فإن كلمته أثارت حفيظة بعض زملائه. ومن بين الذي عقبوا على ملحوظة جيفر الأخيرة ويليام فيليبس، فيزيائي نوبل للعام1997 . قال فيليبس: "إذا كانت دماثة الأخلاق لا تؤثر بالسلب أو الإيجاب على أبحاثنا، فلماذا لا نلتزم بها في تعاملنا مع زملائنا على أية حال؟"


وقد توافد فيزيائيو نوبل على مدينة لنداو الألمانية لإلقاء المحاضرات والالتقاء المباشر مع الباحثين الشبان في إطار الدورة الثامنة والخمسين للمؤتمر السنوي الذي عقد بين التاسع والعشرين من حزيران الماضي والرابع من تموز، بتلك المدينة الجزيرة ذات الطابع السياحي، والتي تطل على بحيرة كونستانس شمالي ألمانيا।


ويعقد مؤتمر لنداو منذ العام 1950، برعاية عائلة "برنادوت" السويدية العريقة، ليكون جسرا للتواصل المباشر بين حاصلين على جائزة نوبل في فرع أو أكثر من العلوم وباحثين واعدين في هذا المجال يأتون من شتى أرجاء العالم।

وقد خُصصت دورة هذا العام للفيزياء، حيث ألقى نحو 25 فيزيائيا من حاملي نوبل محاضرات حول إسهاماتهم. كما تواصلوا عن قرب في جلسات مغلقة، بعيدا عن الصحافيين والجمهور العام، مع نحو 500 باحث شاب في الفيزياء أتوا من الجهات الأربعة. وتلك خاصية مميزة للمؤتمر عن غيره يعتز بها منظموه।


نهاية عهد الأسئلة الكبرى؟

في واحدة من تلك الحوارات المغلقة سأل أحد الباحثين جيفر: "لو أنك واحد من باحثي الفيزياء الشبان اليوم، ماذا كنت تفعل؟" فأجاب: "كنت سأترك الفيزياء وأتجه لعلم الأحياء (biology)، ففي الأخير الأسئلة الكبيرة والمثيرة، أما أسئلة الفيزياء الكبرى فقد حُلّت।"


ماذا كان يقصد جيفر بالضبط بهذه الإجابة؟ ردا على السؤال، قال جيفر لـ "السفير": "إن القوانين الأساسية للعلوم، تلك التي نستخدمها في بناء الطائرات والسيارات وغيرها، معروفة للعلماء منذ عشرينيات القرن الماضي تقريبا। ويمكن القول بأنه ليس ثمة قوانين جديدة منذ ذلك الحين. وواقع الأمر أنه لم يعد لدى الفيزيائيين برامج [بحث] حقيقية لينشغلوا بها."


وضرب جيفر، المولود في العام 1929 بالنرويج، مثالا على ذلك بالتطورات الحادثة في ميكانيكا الكم، شارحا أن أساليب فهمنا لها تحسنت، ولكن قوانينها الأساسية معروفة منذ الربع الأول من القرن الماضي. وأضاف أن هذه التطورات تؤكد ما نعرف فعلا؛ ولكنها لا تغير شيئا مما نعرف। ولكنه أوضح في الوقت نفسه أن معرفة القوانين لا تعني بالضرورة معرفة كل التفاصيل.


أما في علم الأحياء، يضيف جيفر، فمسائل مثل السرطان وطبيعة الذاكرة واستخدامات الخلايا الجذعية كلها تفتح آفاقا واسعة لشباب الباحثين. سألته إن كان هذا الإدراك سبب تحول اهتمامه لعلم الأحياء؟ فأجاب بالنفي: "[بنهاية ستينيات القرن الماضي] كان حماسي للفيزياء قد أخذ يخبو، لاسيما أنني لم أرَ فرصا بحثية في الأفق। فأنا بطبيعتي لا أستطيع العمل في فرق بحثية كبيرة مؤلفة من عشرات الباحثين سعيا وراء مجاهل الفيزياء النظرية. وإنما أفضل إجراء التجارب وتحسينها، سعيا لإيجاد حلول لما سنواجه غدا، أو بعد أسبوع، ولكن ليس بعد خمس سنوات."


لم تحظ وجهة نظر جيفر بالقبول لدى فيزيائيي نوبل الذين استُطلعت آراؤهم. ففي تعقيبه على وجهة نظر جيفر قال جورج اسموت (George Smoot)، فيزيائي نوبل لعام 2006، إنه لا يزال في الفيزياء فيض من الأسئلة للراغبين في السعي خلفها، ومنها طبيعة تلازم الزمان والمكان (أو الزمكان). وأشار اسموت إلى أن التطورات في علم الفيزياء تؤتي ثمارها في تطبيقات علم الحياة والتطبيقات الطبية। وساق كمثال على ذلك الفوائد التي حققتها الأجهزة المعتمدة على الموجات الكهرومغناطيسية في الأغراض الطبية.


ومن بين المعارضين لجيفر أيضا كان ديفيد غروس (David Gross)، العالم الأميركي الحاصل على نوبل الفيزياء عام 2004. قال غروس لـ "السفير": "إن القول بنهاية عهد الفيزياء البحتة أسطورة يروجها بعض علماء الأحياء। لا يزال ثمة الكثير من الأسئلة الأساسية التي لا نعرف لها إجابات." ولكن غروس أضاف أن هذا لا يناقض حقيقة أن المعضلات في مجال الطب، كأمراض السرطان والإيدز وغيرها، تمثل حافزا لكثير من شباب الباحثين لتفضيل علم الحياة على الفيزياء، لاسيما وأن التمويل المخصص للأبحاث الطبية يفوق كثيرا مخصصات الأبحاث الفيزيائية.


من الفيزياء للبيولوجيا

ولكن جيفر، اختلف معه زملاؤه أم اتفقوا، حسم أمره مبكرا. ففي العام 1969 تحول اهتمامه لعلم الأحياء. فغادر الولايات المتحدة إلى بريطانيا ليدرس الفيزياء الحيوية في جامعة كيمبردج. وعندما عاد للولايات المتحدة بعد نحو عام، عكف على دراسة جزيء البروتين، ثم على حركة الخلايا المستخلصة من ثدييات في مستنبتات الأنسجة (tissue culture)، مع التركيز على المقارنة بين حركة الخلايا الطبيعية وتلك المصابة بالسرطان. وفي العام 1991 أنشأ جيفر شركة "بيوفيزيكس" التي طورت جهازا (متاحا تجاريا) لمراقبة حركة الخلايا في مستنبتات الأنسجة।


والحق أن تحول جيفر للفيزياء الحيوية لم يكن الانتقال الكبير الوحيد في حياته المهنية. فقد درس عالم نوبل الهندسة الميكانية بجامعة أوسلو وتخرج في العام 1952. ثم شاءت الأقدار أن ينعطف مسار حياته عندما تقدم لشغل وظيفة بالفرع الكندي لشركة "جنرال إلكتريك" الشهيرة في العام 1954. وقد حدث ذلك نتيجة مفارقة طريفة رواها جيفر في المحاضرة التي ألقاها في لِنداو، كما في كلمة تسلّمه لجائزة نوبل. فبينما تمثل درجة "4" أعلى ما يمكن أن يحصل عليه طالب في النظامين الدراسيين الأميركي والكندي، فإن درجة "4" في النظام النرويجي تعني "مقبول" فحسب। وعندما تقدم جيفر بأوراقه لجنرال إلكتريك، وكانت تقديره "4" في كل من الفيزياء والرياضيات، ظن ممتحنَه أن الجالس أمامه نابغة فيزياء ورياضيات فسارع إلى توظيفه.


وقال جيفر معقبا على تلك الحادثة، بأسلوبه المازح كعادته: "في الأحوال العادية أميل لأن أكون أمينا। ولكني قررت أنه ربما لم يكن من الحكمة أن أكون أمينا في هذا اللقاء التوظيفي."


بدأت رحلة جيفر الجادة مع الفيزياء في العام 1958. ففي ذلك العام – وكان قد انتقل للعيش بالولايات المتحدة منذ عامين – التحق جيفر بمركز الأبحاث والتطوير لشركة جنرال إلكتريك। وبالتوازي، انتظم بالدراسة بمعهد "رنسليير" التقني في نيويورك ليحصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء في العام 1964 (ليعود بعد أربعة وعشرين عاما ويعمل أستاذا بالمعهد نفسه).


في الفترة بين 1958 و1969 أجرى جيفر أبحاثا وصمم تجاربَ تتعلق بمجالي التوصيلية الفائقة (superconductivity) والنفاذيّة (tunneling)، وذلك بحسب ما أورد موقع جائزة نوبل. والمقصود بالنفاذية قدرة الإلكترون – بطبيعته الثنائية، الموجية والجزيئية، التي أوضحها العالمان دي بروغلي وشرودنغرفي الربع الأول من القرن العشرين – على النفاذ عبر الأجسام الرقيقة إذا ما دفع بطاقة مناسبة. أما التوصيلية الفائقة فتعني قدرة الإلكترونات على الانسياب بغير مقاومة في الأسلاك. فإذا ما أُطلقت دفقة إلكترونات في ملف مغلق من مادة فائقة التوصيلية، فإنها قادرة على السريان في هذا الملف، نظريا على الأقل، إلى ما لا نهاية. وقد كان إسهام جيفر بتصميمه تجارب تؤكد بعض الفرضيات المبكرة لنظرية التوصيلية الفائقة لفليكس بلوتش في ثلاثينيات القرن المنصرم. وعلى أثر تلك التجارب حاز على جائزة "أوليفر بَكْلي" المرموقة في الفيزياء في العام 1965، ثم جائزة نوبل بالمشاركة مع فيزيائييَن آخرين في العام 1973.


ويخرج لسانه لزملائه من فيزيائيي نوبل!

وكأن آراء جيفر حول مصير الفيزياء البحتة ودور الحظ في الحصول على جائزة نوبل لم تكن مثيرة للجدل بما يكفي، فأضاف من الشعر بيتا بوجهة نظره المغايرة حول ظاهرة تغير المناخ. ففي حلقة النقاش الوحيدة لمؤتمر لنداو هذا العام، والتي خصصت لموضوع "التغيرات المناخية وتحديات الطاقة"، اتخذ جيفر موقفا يعارض فيزيائيي وكيميائيي نوبل الستة الآخرين المشاركين في النقاش. وقد كان أسلوبه لاذعا لدرجة يبدو أنها أثارت غضب أحد المشاركين، جاك ستاينبرغر، فيزيائي نوبل لعام 1988، والذي امتنع عن التعليق مرتين حين حان دوره في حلقة النقاش.


في شرحه لتشككه حول ظاهرة تغير المناخ، قال جيفر: "لقد عشت عمرا طويلا، ظهرت خلاله صَرَعات عدة. منها مثلا الأمطار الحامضية [في السبعينيات والثمانينيات]. ولكن لم يعد أحد يتحدث عن ذلك اليوم. ثم ثقب الأوزون في التسعينيات، الذي لا يكاد المرء يسمع عنه شيئا هذه الأيام. والآن لدينا تغير المناخ." وأضاف، "لقد بلغ الاعتقاد في ظاهرة تغير المناخ مبلغ العقيدة. وصار كل من يثير أسئلة حول الظاهرة وكأنه فقد صوابه."


وأشار الفيزيائي النرويجي المولد أيضا إلى ما وصفه باختلاط الحقائق بالآراء الشخصية عند الحديث عن ظاهرة تغير المناخ: "لقد سمعتَ منذ قليل مدير حلقة النقاش يقول إن ثمة احتمالا قدره 90 في المئة أن يكون النشاط البشري سبب ظاهرة تغير المناخ. و ليس ذلك حقيقة علمية مثبتة وإنما رأيه الشخصي."


فلماذا يتشكك جيفر في أن ثمة تغيرا استثنائيا في مناخ الأرض؟ أول تحفظات عالم نوبل تتعلق بالطريقة التي جمعت بها البيانات التي قادت إلى فرضية تغير المناخ. إذ يقول إن تحصيل البيانات حول درجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، في الصين وماليزيا والمكسيك وغيرها، تم بطريقة عشوائية تقريبا، تفتقد للاتساق والمعيارية. وقال جيفر إنه عندما سأل بعض زملائه من علماء نوبل عن الكيفية التي جُمعت بها المعلومات عن تغير المناخ، كان ردهم أن هذه الإحصاءات يجب أن تؤخذ كما هي. ولكنه لا يقبل بذلك: "العالِم لا يأخذ البيانات على علاّتها."


وأضاف أن البيانات الموثقة حول درجة الحرارة في الولايات المتحدة ترسم صورة مختلفة لتغير المناخ. فقد وجد جيفر أن أعلى درجة حرارة مسجلة في الولايات المتحدة كانت من نصيب العام 1989، ويعقبه العام 1934، ثم 1921. ولكن تجدر ملاحظة أن الكثيرين من مؤيدي نظرية تغير المناخ يقارنون متوسط الحرارة لكل عشرة أعوام، وليس درجات الحرارة للسنوات كل على حدة।


أهم من ذلك، يقول جيفر، إن درجة حرارة الهواء تتحدد أساسا وفقا لدرجة حرارة مياه المحيطات. فالمحيطات تغطي نحو 70% من سطح الأرض، كما أن الاستيعاب الحراري (heat capacity) لمياه المحيطات يفوق كثيرا استيعاب الهواء، ربما بحوالي 10 آلاف ضعف بحسب جيفر، الذي أضاف: "نحن لا نعرف شيئا على الإطلاق عن التغير في حرارة المحيطات لأننا لم نرصدها."


وذكر جيفر أن أوروبا شهدت ما أسماه بعصر جليدي محدود خلال القرن السابع عشر، أي قبل الثورة الصناعية وتزايد تأثير البشر على بيئة الأرض. وكان ذلك العصر الجليدي ذروة ظاهرة انخفاض لدرجة الحرارة استمرت لنحو 200 عام. ولفت إلى أن البحث فيما يمكن أن يكون تغيرا للمناخ الآن يجب أن يأخذ في الاعتبار ظاهرة العصر الجليدي المحدود، لأنها ستسهم في تقرير إذا ما كنا نشهد تغيرا في المناخ أم لا.


ورغم تشكك جيفر في حدوث تغير جذري للمناخ، فإنه يقبل كافة الاحتمالات: "إنني أعتقد أننا لا نشهد تغيرا في المناخ، ولكن ليس لدي من الأدلة ما يؤكد رأيي ذلك يقيناً؛ وكذا الأمر لدى المؤيدين لحدوث تغير في المناخ، فهم أيضا ليس لديهم أدلة يقينية. وواقع الأمر أنه إن كان ثمة تغير في المناخ فليس هناك ما نستطيع فعله."


وفي سؤال "للسفير" عن الرأي الذي أدلى به أحد المشاركين في حلقة النقاش والقائل بأن مجرد الزيادة المطردة في عدد سكان الأرض يعني زيادة انبعاث ثاني أكسيد الكربون، مما يسهم في ارتفاع درجة الحرارة على الكوكب، ومن ثم وجب الإسراع بتنفيذ سياسات لمواجهة ذلك الاحتمال، أجاب جيفر "هذه وجهة نظر مثيرة للاهتمام. ولكن ثمة كتابا لمؤلف روسي اسمه [سرغي] كابتسا (Sergei Kapitsa) يقول فيه إن النمو السكاني سيتوقف من تلقاء نفسه. وهذا صحيح لدرجة كبيرة، فمثلا نحن في أوروبا لدينا تقلص سكاني".


العلماء يتعارضون

ويثير الانتباه في الجدل خلال حلقة النقاش حول تغير المناخ اختلاف المشاركين، وسبعة منهم علماء حاصلون على جائزة نوبل، حول تعريف "الحقيقة العلمية"। فما كان في رأي أحدهم حقيقة دامغة (كما في اطّراد حرارة الأرض) كان في رأي آخر فرضية بُنيت على بيانات غير مُثبتة.


ولم يقف الخلاف عند ذلك الحد. ففي حديثه مع "السفير" أشار جيفر بأصابع الاتهام للعلماء الذين يؤيدين نظرية تغير المناخ بغير تحفظ بأنهم يستفيدون من وراء ذلك، لافتا إلى أن الحصول على تمويل للأبحاث حول تغير المناخ أيسر كثيرا من تحصيل تمويل لدراسات في شؤون أخرى. وقد ترددت اتهامات مماثلة حول جيفر نفسه بين بعض ممن حضروا المؤتمر، وأنه ربما يرتبط بمصالح بالمؤسسة السياسية والصناعية في أميركا التي عارضت كثيرا القول بأن ثمة تغيرا جذريا في المناخ مرده النشاط البشري. وهكذا شهد الملتقى العلمي قدْرا من الغمز والاتهامات المتبادلة، غير العلمية، عن الباحثين ودوافعهم لتأييد أو رفض نظرية تغير المناخ।


وقد وصفت كرستينا ريد، الصحافية ومؤرخة العلوم، جيفر بأنه يمثل "مدرسة قديمة" من العلماء الذين يبدون الكثير من المقاومة للأدلة على ظواهر أو آراء تعارض آراءهم.


ولا ينفي جيفر أنه ينتمي لمدرسة تختلف عن تلك التي ينتمي إليها معظم الفيزيائيين: "أغلب الفيزيائيين لا يعرفون أين يوجهون طاقاتهم البحثية، ومن ثم فإنهم يخترعون مشكلات ليست ذات أهمية، ويأتون بحلول لها، ثم ينشرون ذلك في دوريات علمية. أما أنا فأفضل التعامل مع مشكلات حقيقية. ربما أنا أقرب للمخترع مني للعالِم."

الخميس، 10 يوليو، 2008

بل غيتس وأسئلة الرحيل الصعبة


بينما يترك بل غيتس مهامه اليومية لدى مايكروسوفت، يبقى معلّقا سؤالان كبيران يبدو أن العبقري غيتس يئس من العثور على إجابات لهما.


بدءا من الأول من يوليو الجاري تخلى بل غيتس، أحد الشريكين المؤسسين لمايكروسوفت، عن مهامه اليومية لدى الشركة العملاقة، مكتفيا بمنصب الرئيس غير المتفرغ والاستشاري عند الطلب. وكانت مايكروسوفت قد كشفت في الخامس عشر من يونيو 2006 عن مرحلة انتقالية مداها عامان يحل فيها بالتدريج مسؤولون كبار بمايكروسوفت محل غيتس ليتفرغ الأخير لإدارة المؤسسة الخيرية الضخمة التي تحمل اسمه واسم زوجته.


ولكن نظرة متفحصة ربما تقودنا لأسباب إضافية لاختيار غيتس التنحي عن إمبراطورية مايكروسوفت في هذا التوقيت. فثمة قوتان كبيرتان في ميدان تكنولوجيا المعلومات تنازعان سيادة مايكروسوفت، ولم تستطع الأخيرة أن تواجههما بحسم خلال نحو عقد من الزمان، كما كانت تفعل في الماضي. هاتان القوتان هما التطبيقات الحرة والمفتوحة المصدر (مثل نظام تشغيل لينِكس وحزمة البرامج المكتبية أوبن أوفيس) ثم البرمجيات الإنترنتية التي تُشَغّل كلية عبر متضفح الإنترنت، دون الحاجة لتثبيتها على القرص الصلب للحاسوب الشخصي، كما في الحزم البرمجية من غوغل وزوهو (Zoho) وغيرهما. ويبدو أن غيتس ورفاقه أدركوا أن الحاجة ماسة لمقاربات ورؤى جديدة في التعامل مع هاتين القوتين، وذلك لأن عقلية الحقبة الماضية لم تعد قادرة على التعامل مع المعطيات والظواهر الجديدة بكفاءة. ومن ثَمّ، ربما، كان قرار تنحي غيتس.


حقبة جديدة بمتطلبات جديدة

يبدو أن مايكروسوفت أدركت عمق التغيير في قطاع تكنولوجيا المعلومات مع نهايات العام 2004 وبدايات 2005. ومن دلائل ذلك أن سعت الشركة لاجتذاب دماء جديدة ضمن مسؤوليها الكبار.ففي أبريل/نيسان 2005 استحوذت مايكروسفت على شركة "جروف" للتطبيقات التكاملية (أي تلك التي تيسر التعاون بين موظفين بشركة في إنشاء وتحرير الملفات النصية والمحاسبية وغيرها آنيا عبر شبكات حاسوبية). وعُين رئيس جروف، راي أوزي، مديرا تقنيا بمايكروسوفت، ليصبح واحدا من المسؤولين الخمسة الكبار في الشركة. وكانت تلك المرة الأولى التي تدفع بها مايكروسوفت مسؤولا بشركة تم شراؤها لهذه المنزلة الرفيعة مباشرة. وقال متابعون لقطاع تكنولوجيا المعلومات حينها إن الغرض من تلك الصفقة كان بالأساس الحصول على السيد أوزي، وهو المبرمج الفذ الذي طور وفريقه "لوتس نوتس" التي كانت من أولى التطبيقات التكاملية في النصف الثاني من التسعينات. ثم تأكدت صحة هذه التحليلات عندما أعلنت مايكروسوفت بعد نحو عام عن المرحلة الانتقالية السابقة لرحيل غيتس، والتي صاحبها ترقية السيد أوزي ليصير معماري البرمجيات الأول، وهو المنصب الذي كان يشغله غيتس منذ العام 2000، وليكتفي الأخير بوظيفة الرئيس (chairman) حتى غرة يوليو الجاري.


فماذا الذي حدث في العام 2005 ليستحث تلك القرارات لدى مايكروسوفت؟ بحلول ذلك العام كانت ثمة ظاهرتان كبيرتان لم يعد ممكنا لمايكروسوفت تجاهلهما أو التهوين من شأنهما. أولهما كان صعود غوغل. ففي أغسطس/آب السابق (2004)، كانت غوغل قد طرحت أسمهمها للاكتتاب العام، محققة أكبر تقييم سوقي لشركة إنترنتية (نحو 22 مليار دولار) في أول أيام التداول منذ انهيار أسهم شركات الإنترنت أواخر العام 2000. وبعد نحو ثلثي العام كانت قيمة سهم غوغل في صعودها الصاروخي، بالغة 180 دولارا، بارتفاع نحو 100% عن سعر الطرح في أغسطس/آب. (ويبلغ سهم غوغل عند كتابة السطور نحو 530 دولارا.) أما الظاهرة الثانية فكانت ترسخ موجة البرمجيات الحرة والمفتوحة.


تحدي البرمجيات الإنترنتية

مثلت غوغل منذ بدايتها تحديا لمايكروسوفت. فمحرك البحث الفائق الذي قدمته غوغل جعل المستخدمين أكثر اعتمادا على الشبكة العالمية في الحصول على المعلومات. وهذا بحد ذاته تهديد لمايكروسوفت التي تجني العوائد من بيع البرمجيات التي تعضد ارتباط المستخدمين بالحواسيب الشخصية (مثل نظام ويندوز وحزمة برمجيات "أوفيس" المكتبية). ومن ثم، فقد كان القلق لدى مايكروسوفت بأن غوغل ربما تستطيع أن تجعل متصفح الإنترنت المزود عبر أي نظام تشغيل (وليس "ويندوز" بالضرورة) نقطة الانطلاق في تعامل المستخدمين مع المعلومات عامة (بحثا وتصنيفا وإنشاءا وتخزينا)، مما قد يُميل كفة الميزان في غير صالح نظام ويندوز وأخواته من منتجات مايكروسوفت.


أما التحدي الأكبر من غوغل فكان اعتمادها على نموذج جديد في تطوير البرمجيات وتحقيق العوائد من ورائها. ففي النموذج السائد في الحقبة قبل غوغل، كانت الشركات تبيع ما تطور من برمجيات، وتجني الأرباح من عوائد بيع تلك البرمجيات وتحديثاتها في الإصدارات الجديدة. وقد تفوقت مايكروسوفت في هذا المضمار، خاصة مع برمجياتها هائلة الانتشار ويندوز وأوفيس. غوغل، بالمقابل، تتيح برمجياتها مجانا في الغالب. منتجاتها مجانية للمستخدم، ولكنها تحصل عوائدها من الشركات التي ترغب في وضع إعلاناتها لتصحب بعضا من تلك المنتجات. وقد أطلقت غوغل الإشارة الأولى على هذا التوجه في أول أبريل/نيسان 2004 بخدمة "جي ميل" (Gmail)، خدمة البريد الإلكتروني الإنترنتي من غوغل. وقد كانت مواصفاتها مغايرة لكل منافسيها (هوتميل وياهو) لدرجة أن ظنها البعض حينها "كذبة أبريل". فبينما توقفت السعة التخزينية لياهو وهوتميل حينها عن 4 و2 ميجا بايت، على الترتيب، أتاحت جي ميل 1000 ميجا بايت (أو واحد جيجا بايت) من السعة التخزينية. إضافة إلى ذلك، كانت حركة التحديث في جي ميل متسارعة للحد الذي بدأ "جي ميل" ينافس نظراءه من برمجيات مايكروسوفت غير المجانية المزودة على القرص الصلب للحاسوب الشخصي مثل برنامج "أوت لوك أكسبرس".


وخلال الأعوام بين 2004 و2007 تأكد توجه غوغل بتقديمها مجانا بدائل مقبولة المستوى لما تقدمه مايكروسوفت بمقابل غير بسيط. وقد شمل ذلك برمجيات لمعالجة النصوص والجداول المحاسبية والعروض التقديمية والرزنامة واستقبال المحتوى المتجدد من المواقع (RSS) وغيرها، وكلها تعمل عبر متصفح الإنترنت فحسب. ويستطيع المرء أن يقوم بإنشاء وحفظ واسترجاع الملفات دون مقابل، ودون تثبيت برامج على حاسوبه الشخصي أو الحاجة لتحديث البرمجيات بانتظام.


وليست غوغل السائر الوحيد على هذا الطريق. فثمة جيل جديد من الشركات التي تقدم كل الخدمات التي كانت مقصورة على برمجيات القرص الصلب عبر متصفح الإنترنت. ومن أمثلة ذلك شركة "زوهو" (Zoho) و"جوفيس" (gOffice) اللتان تقدمان حزمتي برمجيات مكتبية، و"سيلز فورس" (SalesForce.com) لخدمات العملاء المدارة إنترنتياً، وغيرها. بل إن شركة "أدوبي"، المشتهرة ببرنامجها "فوتو شوب" لمعالجة الصور قد بدأت في طرح خدمات إنترنتية لمعالجة النصوص وتحويل الملفات لنسق (PDF) مجانا عبر موقع Acrobat.com. ويطلق البعض على هذه الموجة من البرمجيات الإنترنتية "ويب 2" (Web 2.0)، أو الجيل الثاني من الشبكة العالمية للمعلومات.


أمام هذه الموجة الجديدة من البرمجيات الإنترنتية، بحثت مايكروسوفت عن الإجابات لدى راي أوزي. الآن وبعد مرور نحو عامين على شغله منصب معماري البرمجيات الأول، لا يبدو أنه أنجز الكثير. وهذا مفهوم لأن التغير في بيئة تكنولوجيا المعلومات ربما يفرض على مايكروسوفت أن تغير طريقها الذي سلكته بنجاح لما يزيد على ثلاثة عقود. إذ كيف تستطيع الشركة العملاقة أن تواصل بيع برمجيات يقدم المنافسون أمثالها مجانا للمستخدمين؟ أتستطيع مايكروسوفت أن توزع "ويندوز" أو "أوفيس" مجانا؟ فإن لم يكن ذلك ممكنا، فما الذي تستطيع مايكروسوفت أن تقدمه مجانا للمستخدمين لتحفظ ولاءهم لـ "ويندوز"؟ وما مصير "ويندوز" لو سادت البرمجيات الإنترنتية، تلك التي تعمل عبر متصفح الإنترنت ولا تحتاج بالضرورة لنظام التشغيل الأشهر من مايكروسوفت؟


ربما أدرك غيتس، ذو الثلاثة وخمسين عاما، أنه ليس لديه إجابات وافية لتلك الأسئلة الصعبة. وربما لم يصل أوزي هو الآخر لإجابات. ولكن إلى حين تحصيل إجابات، قررت مايكروسوفت ترسيخ العلامة التجارية لـ "ويندوز" بإضافة تلك الكلمة لطيف واسع من منتجاتها. فصار برنامج التراسل "إم إس إن مسنجر" "ويندوز لايف مسنجر"، وصار "هوتميل" "ويندوز لايف ميل"، ومحرك البحث "إم إس إن" "ويندوز لايف سيرش"، وهكذا. كما طرحت مايكروسوفت مؤخرا خدمة "ويندوز ورك سبيس" المجانية التي تتيح للمشتركين حفظ واستعراض واسترجاع (وليس تحرير) الملفات، خاصة الملفات المنشأة عبر حزمة "أوفيس". ودعمت مايكروسوفت أيضا من إمكانيات التعاون والتكامل في برمجياتها، مما ييسر التشارك في إنشاء وتحرير وحفظ واسترجاع الملفات عبر برمجياتها، خاصة "أوفيس 2007".


خطر البرمجيات المفتوحة

أما النموذج الآخر في تطوير البرمجيات الذي ينازع نموذج مايكروسوفت فهو حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة، وهو اتجاه أطول عمرا وفي ظن البعض أعمق أثرا من البرمجيات الإنترنتية. في هذه البرمجيات يتعاون عشرات أو مئات أو آلاف من المبرمجين طوعا لإنتاج برامج أغلبها مجاني، وتتاح شيفرتها للجميع لمن يريد أن ينشرها أو يغيرها. وهذا يختلف عن البرمجيات المغلقة (أي أي لا تتاح شيفرتها للمستخدمين) مثل كل أو أغلب برمجيات مايكروسوفت وأبل وأوراكل، على سبيل المثال. ومن أشهر البرمجيات المفتوحة نظام تشغيل "لينِكس" وبرمجية "أباتشي" لتشغيل خوادم الإنترنت، و"سند ميل" لتشغيل خوادم البريد الإلكتروني، ومتصفح فايرفوكس، وحزمة البرامج المكتبية "أوبن أوفيس" (OpenOffice.org). وتستخدم البرمجيات الحرة والمفتوحة وزارة الدفاع الأميركية وكبرى البنوك الأميركية، مثل ميريل لنش، وشركات للإنتاج السينمائي مثل "دريم وركس"، وشركات طيران مثل "إير فرانس".


ورغم أن نظام "لينِكس" لا يزال محدود الانتشار على الحواسيب الشخصية (نحو 3%، مقارنة بنحو 93% لـ "ويندوز") إلا أنه أوسع انتشارا على الحواسيب الخادمة للشركات، بنسبة تبلغ 23%، مقارنة بـ 55% لـ "ويندوز"، كما أوردت مجلة فورتشن في أواخر 2004. يبد أن شركة "ديل"، ثاني كبرى شركات تصنيع الحواسيب، بدأت العام الماضي إصدار حواسيب محملة بأحد إصدارات نظام "لينِكس" على بعض طرزها من الحواسيب المحمولة.


وكانت حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة قد بدأت على يد المبرمج والباحث ريتشارد ستولمان بالعام 1984. ولكنها اكتسبت الزخم الكبير بعد أن طور المبرمج الفنلندي "لينَس تورفالدز" نواة نظام تشغيل "لينِكس" في العام 1991 وطرحها عبر الإنترنت للمبرمجين ليبنوا عليها ويحسنوها. وتسارع انتشار "لينِكس" خلال النصف الثاني من التسعينيات، خاصة مع إقدام شركات مثل "رد هات" (ولاحقا "آي بي إم) على تقديم خدمات الدعم الفني للحواسيب العاملة بنظام لينِكس.


لم يكن الخطر الذي تلوح به البرمجيات المفتوحة على منتجات مايكروسوفت مستترا. فالبرمجيات المفتوحة تقدم بدائل، إن لم تكن مجانية فأقل تكلفة من نظيراتها لدى مايكروسوفت. وقد بدا خيار البرمجيات المفتوحة جذابا لدى بعض الحكومات. فقد رأت دول مثل الصين والبرازيل أن اعتماد البرمجيات المفتوحة والإنفاق على تدريب مبرمجين محليين للقيام بالدعم الفني قرار ربما يكون أكثر وجاهة اقتصاديا من بذل استثمارات ضخمة على نفقات ترخيص البرمجيات مغلقة المصدر.


لصد الموجة المتصاعدة للبرمجيات المفتوحة اتبعت مايكروسوفت أساليب شتى. منها حملة إعلانية ضخمة عنوانها "تعرف على الحقائق" (Get the Facts)، محورها أن الكلفة الكلية لاستخدام البرمجيات الحرة والمفتوحة، خاصة "لينِكس" أعلى من تلك المترتبة على استخدام "ويندوز" وأخواته. ولكن يبدو أن هذه الحملة كانت محدودة الأثر، وذلك لأن دراسات من مصادر مختلفة قارنت بين الكلفة الكلية لاستخدام كل من "لينِكس" و"ويندوز" وتوصلت لنتائج متضاربة. ومن ضمن أساليب المواجهة أيضا ما شيع عن دعم مايكروسوفت لشركة أميركية تُدعى "اسكو" (SCO) قاضت شركة "آي بي إم" وعملاءها (ومنهم شركة "مرسيدس") في عام 2003 بدعوى استخدامهم بغير وجه حق أجزاءا من الشيفرة البرمجية لنظام "يونكس" (التابع لـ "اسكو") في نظام "لينِكس" الذي تستخدمه "آي بي إم" على حواسيبها الخادمة. في هذه الدعوى طالبت "اسكو" بتعويض قدره 6 مليار دولار، ولكن رفضت المحكمة الدعوى في أواخر 2006.


أوان الرحيل .. والمهادنة

إذا، بحلول العام 2005 كان جليا أن البرمجيات الحرة والمفتوحة راسخة الجذور. ولم يكن ثمة دلائل على أن بيل غيتس ورفاقه لدى مايكروسوفت قد توصلوا بعد لطريقة ناجعة للتعامل مع هذا النموذج في تطوير البرمجيات الذي يناقض نموذجهم. وربما بدا لغيتس أنه لم يكن مؤهلا لمواجهة هذا التحدي. فآثر غيتس المضي قدما نحو مؤسسته الخيرية، تاركا البرمجيات المفتوحة وأسئلتها الصعبة للدماء الجديدة في الشركة العملاقة.


ويبدو للّحظة أن راي أوزي أميل للمهادنة مع البرمجيات المفتوحة. فبدلا من الصدام – وهو التوجه الذي يشيع أن الرئيس التنفيذي للشركة ستيف بولمر يفضله – أتاحت مايكروسوفت خلال العامين الأخيرين إمكانيات تعضد للمرة الأولى التوافق (interoperability) بين الحواسيب العاملة بـ "ويندوز" وتلك العاملة بـ "لينِكس" داخل الشبكة الحاسوبية الواحدة أو عبر شبكات مختلفة.


وفي أجواء التحديين الكبيرين – البرمجيات الإنترنتية والبرمجيات الحرة والمفتوحة – بدا تنحي غيتس عن عرش مايكروسوفت أقل احتفالية مما ظن كثيرون. وفي هذا ما يدعو، ربما، لبعض التعاطف. فهذا الرجل المشهود بعبقريته والذي لم يبلغ بعد أواسط العقد السادس من عمره قد بنى أكبر شركة برمجيات في العالم؛ وحتى بزوغ غوغل، كانت مايكروسوفت أسرع الشركات نموا في التاريخ. ولكن يكاد يكون ثمة اتفاق بأن مايكروسوفت ربما تكون في واحدة من أضعف لحظاتها عبر حياتها الممتدة لما يزيد على ثلاثين عاما، إذ لا تزال أسئلة كبيرة حول مسار الشركة المستقبلي قائمة بغير إجابات.

وليد الشوبكي

نشر المقال بصحيفة السـفير اللبنانية، في العاشر من يوليو 2008.


مصدر الصورة: فليكر Flickr

الخميس، 19 يونيو، 2008

في الطفرة التالية: وداعا للفأرات (الحاسوبية)

تُنبئ الطروحات الأخيرة من كبرى شركات البرمجيات مايكروسوفت وأبل بأن الفقزة التالية في واجهات المستخدم ستكون في اتجاه الأجهزة الحاسوبية المشغلة باللمس، ويشمل ذلك الحواسيب والهواتف النقالة، إضافة إلى تلك التي لم يسدل دونها الستار بعد.


ربما يعود أغلب الفضل في تحسين صورة الفئران لدى البشر لشخصين: والت ديزني وستيف جوبز. فالأول بّدل الصورة غير المحببة للفئران بأخرى ملونة وذكية وخفيفة الظل في شخصية "ميكي ماوس" الكرتونية التي ظهرت في عشرات الأفلام (ثم المنتجات التجارية). أما الثاني، أحد مؤسسَي شركة أبل للحواسيب، فطرح للمرة الأولى حواسيب تعتمد كلية على واجهة المستخدم الجرافيكية والتي يشغلها المستخدم عبر فأرة حاسوبية، وليس عبر كتابة الأوامر النصية، وهي الطريقة التي كانت قَصَرت استخدام الحاسوب على المبرمجين وحدهم تقريبا. وحدث هذا التطور مع طرح أنظمة "آبل ليسا" في العام 1983. وقد تبعت مايكروسوفت خطى أبل وطرحت في العام التالي نظام "ويندوز" ذي الفأرة الحاسوبية والأيقونات، وليظل هذا النوع من واجهات المستخدم – أي الوسيط الذي يترجم أوامر المشغِّل البشري إلى أوامر مفهومة للآلة الحاسوبية – بغير منافس خلال ربع القرن الماضي. وكان دوجلاس إنجلبارت، الأستاذ بجامعة استانفورد قد طور و17 من معاونيه الفأرة الحاسوبية وعرضوها للنظارة للمرة الأولى في التاسع من ديسمبر/كانون الأول في العام 1968، بعد أن عكفوا على تطويرها لنحو ست سنوات.

نهاية حقبة الفئران

الآن ثمة إشارات على نهاية حقبة الفأرات (الحاسوبية). ففي التاسع من يناير/كانون الثاني 2007 أزاحت شركة أبل النقاب عن الإصدار الأول من هاتفها "آي فون" (iPhone). وكما يعرف قراء كثُر، لم يبد الـ "آي فون" كغيره من الهواتف، إذ خلا تماما من الأزرار التي تحمل الأرقام والحروف كما الحال في أقرانه. فقد بُني هاتف آبل النقال على واجهة جرافيكية تعمل كلية باللمس. لمسة على أيقونة تفتح ملفا وأخرى تحرك قائمة خيارات أو تنقلك من تصفح الإنترنت لسماع الموسيقى. وليست الواجهة اللمسية في حد ذاتها أمرا جديدا. فقد اعتمدت عليها منذ أواسط التسعينات الصرافات الآلية وبعض الأجهزة الإلكترونية الموجهة للأميين أو ضعاف البصر. ولكن الجديد في هاتف أبل كان إمكانية استخدام أكثر من أصبع واحد لإجراء مهام مختلفة. بتقريب أصبعين من بعضهما أو إبعادهما يستطيع المرء تصغير صورة (أو نص) أو تكبيرها. وبدا أن هذا التطور التكنولوجي قد حظى بالاستقبال الحسن لدى جمهور المستخدمين عندما طرح الـ "آي فون" تجاريا في التاسع والعشرين من يونيو/حزيران 2007، رغم ارتفاع سعره مقارنة بمنافسيه.


وخلال ما يقارب العام الذي مر بين الإصدار الأول والإصدار الثاني (التاسع من يونيو/حزيران 2008)، أعملَ المبرمجون في الشركات المنافسة لأبل عقولهم وسواعدهم ليلحقوا بالموجة الجديدة في الواجهة اللمسية التي اعتلى ذروتها الـ "آي فون". فشركة مايكروسوفت كشفت مؤخرا عن واجهة مماثلة (أسمتها surface computing)، وأعلنت أن تلك الإمكانية ستتاح في الأجهزة العاملة بنظام ويندوز "فستا" ولكنها ستكون أكثر تطورا في الإصدار القادم من ويندوز المسمى مبدئيا ويندوز 7، والذي سيطرح في النصف الثاني من 2009، كما في الإصدار الجاري تطويره من ويندوز للهواتف النقالة والمسمى ويندوز موبايل 7.


وفي ذات السباق طرحت بالفعل شركتا سامسونج (طراز "إنستنكت") وإل جي (طراز "برادا") الكوريتان هواتف تعمل باللمس. أما نوكيا الفنلندية وبلاكبري الكندية، فكلتاهما تعملان حثيثا على اللحاق بالمنافسة. وقد تسربت صور ومعلومات عن تصميم تلك الهواتف قيد التطوير، وكلها ترمي بصورة واضحة لتقليد هاتف أبل بمنحنياته الناعمة وأيقوناته الباهرة، وإن ظل يسر الاستخدام عامل التمييز بين هذا العدد المتزايد من الطروحات الجديدة.


عودة الروح لواجهة المستخدم

ويلفت هذا التطور إلى أربعة أمور متعلقة بتطور الحواسيب والأجهزة الحاسوبية خلال العقود الثلاثة المنصرمة.

أولا، مع نمو صناعة الحواسيب (العتاد الحاسوبي والبرمجيات) تركز الانتباه (والاستثمارات) على البرامج التي ترفع الإنتاجية (وتخفض الأسعار) وليس على واجهة المستخدم. ونجد ذلك في التطور المتسارع الذي حظيت به البرامج المكتبية (مثل حزمة Office من مايكروسوفت) وبرامج إدارة الأعمال (مثل حزم قواعد البيانات من شركات "أوراكل" و"ساب"). أما على جانب العتاد الحاسوبي، فقد اهتمت الشركات الكبرى بتوحيد معايير الإنتاج (لرفع الإنتاج وخفض الكُلفة) أكثر من ابتكار حواسيب قادرة على التفاعل مع المستخدم بأساليب جديدة. وقد مثلت هذا التوجه بصورة خاصة شركة "دِل" التي كانت تُتهم – أو تُمدح أحيانا – بأنها حولت الحواسيب لـ "صناديق" رخيصة، تخلو من أي ابتكار في التصميم.


وربما يفسر ذلك أن القدرات المحدودة للمعالجات الحاسوبية كانت تحتم بدرجة ما ترتيب الأولويات في استخدام قدرة الحواسيب. وكانت واجهة المستخدم تأتي دوما في قاع سلم الأولويات. أما وقد حدثت فقزات كبيرة في قدرات المعالجات الحاسوبية خلال الأعوام القليلة الأخيرة، فقد بدا طبيعيا أن يعاد النظر في واجهة المستخدم التي ركد ماؤها لنحو ربع قرن تقريبا. وقد كانت أبل من ألقى بالحجر. ومن أجلى مظاهر تطور قدرات المعالجات الحاسوبية ما يتوافر الآن من رقائق حاسوبية ثنائية المحور (dual-core) ومتعددة المحاور (multi-core) من شركات "إنتل" و"إيه إم دي" الأميركيتين.


أما الأمر الثاني حول إقبال المصنعين على الواجهة اللمسية الجديدة فالإدراك المتنامي لدى مصنعي الحواسيب والبرمجيات بأن تحسين واجهة المستخدم يجب أن يؤخذ كجزء من الجهد لرفع إنتاجية المستخدم عامة. ففي أغراض كثيرة كانت واجهة المستخدمة (المعتمدة على الفأرة أو أشرطة اللمس الصغيرة بجوار لوحة المفاتيح على الحواسيب المحمولة) تمثل عائقا دون إنجاز الأعمال وليس عونا عليها. فمثلا، لا يملك المرء بعد أن يجرب تصفح الإنترنت على شاشة تعمل باللمس مباشرة (مثل الـ "آي فون") إلا أن يتعجب كيف قضى تلك الأعوام مقيدا ببطء استخدام الفأرة الحاسوبية وشبيهاتها. وربما تكون شركة أبل أفضل ممثل لفلسفة التركيز على واجهة المستخدم وأهميتها. فرغم أن الشركة لا تسيطر إلا على نحو 4% فقط من سوق الحواسيب الشخصية في العالم (مقارنة بحوالي 93% لنظام ويندوز من مايكروسوفت) فإنها تتمتع بسمعة طيبة وولاء شديد لدى عملائها. كما أثبتت مغامراتها في أسواق الأجهزة الحاسوبية (مثل مشغل الموسيقى "آي بود" وهاتف "آي فون") أن واجهة المستخدم اليسيرة والكفوءة قادرة على اجتذاب ملايين المستخدمين.


وثالثا، تعضد الواجهة اللمسية موقع البرمجيات (مقارنة بالعتاد الحاسوبي) كمركز الطفرة الحاسوبية التي نشهدها خلال العقود الأربعة الأخيرة. فإدخال البيانات إلى الحواسيب كان يتم عبر ملحقات طرفية مادية (الفأرات ولوحات المفاتيح). وكان المستخدم مقيدا بإمكانيات هذه الملحقات. فلوحات المفاتيح تحمل لغة واحدة أو على الأكثر لغتين. أما مع الواجهة اللمسية، فالإمكانيات لا نهاية لها، لأنه لا توجد مفاتيح مادية وإنما أيقونات ملونة يمكن أن تصير الأحرف الأبجدية التي يختارها المستخدم من بين عشرات الخيارات المتاحة (ليس من بينها العربية حتى كتابة السطور). فالبرمجيات المتقنة تؤدي أدوارا متعددة بغير تقييد المستخدم بإطار محدد من العتاد الحاسوبي.


وأخيرا، مع انسحاب الفأرات الحاسوبية ينفسح المجال أمام جيل جديد من الأجهزة الحاسوبية التي تأتي في إمكانياتها في مرتبة وسطى بين الهواتف النقالة والحواسيب النقالة. فللهواتف النقالة شاشات عرض لا تزيد في الأغلب عن 3.5 بوصة؛ أما الحواسيب النقالة فلا يقل حجم شاشاتها عن نحو 10 بوصات. وقد يؤدي انعدام الحاجة للفأرة (ولوحة المفاتيح المادية) إلى ظهور جيل جديد من حواسيب صغيرة بشاشات عرض 7 أو 8 بوصات، كما أوردت صحيفة نيويورك تايمز في الخامس من يونيو/حزيران الجاري. وقد طرحت شركات هيولت باكارد وآسوس وإيسر طرزا مصغرة من الحواسيب المحمولة التقليدية بشاشات تتراوح بين 7 و10 بوصات، ولكن من المبكر الحكم على مدى نجاحها.


بيد أن ثمة ثمنا يُدفع بينما نعلن نهاية حقبة الفئران الحاسوبية. فخلال الأعوام الطويلة التي تسللت فيها الفأرات لمكاتبنا وغرف معيشتنا وغرف نومنا، لم يكن هناك سوى واجهة مستخدم واحدة، وكانت حواسيبنا وأيدينا (والفأرات تحت أيدينا) مجهزة للتعامل مع هذه الواجهة. أما التحول للواجهات الجديدة فسيصحبه بطبيعة الحال تحديث اضطراري تقريبا لحواسيبنا وبرمجياتنا. وهو تحديث ربما لا يتوق إليه البعض، ترقبا لم سيصحب ذلك من نفقات.


وإذ يتجدد النقاش حول واجهة المستخدم الحاسوبية يثور السؤال حول اللحظة التي يصبح فيها البشر بغير حاجة لواجهة، أو وسيط بينهم عقولهم و"عقول" الآلات. ربما بدأ هذا السؤال كتهويمة في مخيلة كتاب الخيال العلمي. ولكنه صار حقيقة في الثاني والعشرين من يونيو/حزيران 2004، حين زرعت للمرة الأولى رقيقة حاسوبية في دماغ شاب أميركي أصيب بشلل في حادث، وكان قادرا عبر تلك الشريحة المثبتة بأقطاب كهربية في دماغة على التحكم في لعبة حاسوبية، ورؤية أثر هذا التحكم عبر شاشة مثبتة أمامه. وكان الأطباء من شركة "سايبر كاينتكس" التي طورت الشريحة يأملون أن يتمكنوا من تحسينها لتنقل أوامر الدماغ لأطراف اصطناعية تقوم مقام تلك التي تلفت أو بُترت، وربما نتمكن من التحكم في الكمبيوتر.


وليد الشوبكي


نشر المقال بصحيفة السـفير اللبنانية، 19 يونيو 2008