السبت، 4 يناير، 2014

خمسون عاما على رحيل كنيدي

نشر المقال في عدد ديسمبر ٢٠١٣ من مجلة الجزيرة نت، إصدار الآيباد.

[الشكر والامتنان واجبان لحسام خليل، الكاتب والمترجم من مصر، على مراجعته المقال وتدقيقه.]

لم تكن قد مرّت ساعة على تعرض الموكب الرئاسي للرصاص، حين أعلن وولتر كرونكايت، مذيع شبكة التليفزيون “سي بي إس”، وهو يبدل مضطربا موقع نظارته ليواريَ دمعه، أن الرئيس الخامس والثلاثين للولايات المتحدة قد لقي مصرعه.

كان لاغتيال جون كنيدي وقعُ المأساة. فبُعَيْد انطلاق الرصاصات الثلاث القاتلة في مدينة دالاس في خريف العام ١٩٦٣، بث هؤلاء الذين نعوا كنيدي شعورا جمعيا بأن الموت الذي عاجل الرئيس الشاب قد حال بينه وبين إكمال مشروعه. وإن قصد النّاعون أبعادا مختلفة ومعاني متباينة لذلك المشروع. فحفلت تعليقات الكتاب وافتتاحيات الصُحُف بمفردات “النهاية قبل الأوان،” ثم بالسؤال المنبثق من ذلك المعنى، والذي شغل كُتّابا ومؤرخين لأعوام وعقود تالية: “ماذا لو لم يُقتل كنيدي في ولاية الجنوب تكساس، في الثاني والعشرين من نوفمبر؟”


بعد نحو شهر من الاغتيال، نَعَتْ حنا أرِنت، الكاتبة الشهيرة، جون كنيدي والبابا يوحنا الثالث والعشرين (الذي رحل قبل كنيدي بأشهر على أثر الإصابة بسرطان المعدة) فقالت: “الراحلان كلاهما غادرا قبل الأوان كثيرا، وذلك باعتبار المشروع الذي بدأه كل منهما ولم يكمله. وقد تغير العالم وأظلم حين سقط في الصمت صوتاهما. ورغم ذلك، فإن حياتيهما قد غيرتا العالم، ولن يعود العالم أبدا لما كان قبل أن يرى هذين الرجلين.”

فما الذي تغير برئاسة كنيدي الولايات المتحدة لألْفٍ من الأيام؟ هل فقد الأميركيون بموته رمز الأمل في عهد ما بعد الحرب الكبرى؟ أكان ثمة فجوة بين أقواله وأفعاله واضطراب في صياغة مواقف بلاده، حسبما كتب في العام ١٩٦٦هانز مورغنثاو؟ وهل كان أثر كنيدي على المزاج الأميركي محصورا في سياساته كرئيس، أم في قصته (وآلامه) كشخص لم يكن براءا من العيوب، عاش حياة أغلبها في الوعي العام؟

وماذا لو لم يُغتل كنيدي، وأمهله الرصاص لإكمال فترته الرئاسية الأولى، واستمر بعدها لفترة ثانية حسبما كانت خططه؟ أكان يتغير مسار تاريخ الولايات المتحدة داخليا أو في علاقاتها بالأعداء والحلفاء؟ أكان يتغير مسار الحرب الباردة، أو تتبدّل طبيعة العلاقة بين البيض والسود ومسار حقوق المواطنة؟ أكان الرئيس الشاب، الذي كثيرا ما بشّر في خُطبه بقيم الحرية لكل البشر، يوجه الولايات المتحدة لمسلك غير الذي سلكته (عبر أجهزة الاستخبارات) في سعيها لإسقاط أو إضعاف الأنظمة المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي أو المناوئة للقطب الغربي؟

وإذ تعبر بنا هذا العام الذكرى الخمسون لرحيل كنيدي – ذكرى الاغتيال في الثاني والعشرين من نوفمبر ١٩٦٣ — لا يزال السعى متصلا للإجابة عن طرف من تلك الأسئلة. وآية ذلك ظهورُ طيفٍ جديدٍ من الكتب والأفلام (والصور على أغلفة المجلات السيارة) عن كنيدي التي صاحبت الذكرى. ورغم أن نحو أربعين ألف كتاب قد تناولت حياة وموت كنيدي منذ صعوده إلى سُدَّة الحكم في العام ١٩٦١، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز،" فإن أثره لا يزال "مراوغا،" كما كتبت "جيل أبرامسن" المحرر التنفيذي للصحيفة الأميركية واسعة الانتشار.

هذا الاستعصاء وهذه المُرَاوغة، في جانبٍ منهما، مردُّهما إلى قِصر ما قضى كنيدي في الحكم، ثم لاغتيال شقيقه “روبرت” (وكان النائب العام في عهد أخيه) في العام ١٩٦٨، ثم لحرص آل كنيدي، من زوجته وإخوانه ومن عملوا في إدارته، على التحكم في رواية التاريخ عن الرئيس الشاب. ومن ذلك، مثلا، أن بعض الحوارات المسجلة لزوجة كنيدي، جاكلين، لن تتاح قبل العام ٢٠٦٧.

فماذا بقي من كنيدي، في السياسة الأميركية وفي الوعي الأميركي، بعد خمسين خريفا من رحيله ظهيرة ذلك اليوم البعيد من نوفمبر؟