السبت، 18 أبريل، 2009

الحوسبة في حقبة ما بعد الحاسوب الشخصي

نستطيع تفسير أغلب التطورات الحديثة في ميدان تقنيات المعلومات بإرجاعها لثلاثة متغيرات أساسية. وفي كل منها زادت القدرة بينما انخفضت الكلفة: قدرة المعالجات الحاسوبية، سعة التخزين الرقمية، وسعة نقل البيانات عبر الشبكات (bandwidth). 


قد يبدو الأمر غير ذلك، ولكن ثمة قاسما مشتركا بين محرك البحث جوجل وظاهرة "الحوسبة الُموزّعة" (cloud computing) وشبكة "فايسبوك،" والنماذج الحاسوبية لتغير المناخ وهاتفك النقال وموقع "يوتيوب" والإصدار الأخير من نظام تشغيل "ويندوز". ذلك أن هؤلاء جميعهم يرتكزون في عملهم، أو في لب وجودهم، على الأثر الجمعي لثلاثة عوامل: تزايد كفاءة المعالجات الحاسوبية مع تراجع كلفتها (أو ما يُعرف بـ "قانون مور")؛ تزايد قدرة وسائط التخزين الرقمي مع انخفاض كلفتها؛ وارتفاع قدرة شبكات نقل البيانات (bandwidth) مع تناقص كلفتها.

مثلا، تصاعد قدرة وسائط التخزين الرقمية يفسر قدرة جوجل على استدعاء ملايين الصفحات استجابة لما قد يدور بخلدك ويجد طريقة لخانة البحث على محرك البحث الشهير. فلولا الكلفة الزهيدة لتخزين المواد على وسائط رقمية متصلة بالإنترنت لما نجح محرك جوجل، مهما كانت كفاءته، في الإتيان إلا بعدد محدود من النتائج. ويصدق الأمر نفسه على موقع "فايسبوك". فبفضل الثمن البخس الذي ينفقه الموقع الشهير على تخزين المواد في صورتها الرقمية، يتيح "فايسبوك" لمستخدميه أن يحفظوا مجانا ملايين الصور ومواد الفيديو خاصتهم.

أما ارتفاع قدرة المعالجات الحاسوبية مع تراجع كلفتها فقد أدى لآثار على أكثر من صعيد. منها مثلا اتساع تطبيقات النمذجة الحاسوبية، للظواهر المناخية ولبناء البروتين، وذلك بفضل الحوسبة الفائقة (التي تنتج عن تسخير الطاقة الحاسوبية لمئات أو آلاف المعالجات). ومنها أيضا أن تتمكن جوجل من فهرسة مليارات الصفحات على الإتنرنت عبر "مزارع الحواسيب" لديها والتي تتيح للموقع تحمل ما يبلغ مليون مستخدم لمحرك البحث في الثانية الواحدة. ومنها أيضا أن الأجهزة صغيرة الحجم مثل الهواتف صارت قادرة على القيام بوظائف متعددة، كتصفح الشبكة العالمية (الإنترنت) وإنشاء الملفات وتخزينها واسترجاعها.

وعلى أكتاف المعالجات الحواسيب المتطورة والسعة التخزينية الكبيرة تقوم أنظمة التشغيل الحديثة مثل "ويندوز" من مايكروسوفت وماك من "أبل".

وثالثا، أدى تسارع شبكات نقل البيانات إلى ظهور مواقع مثل "يوتيوب،" وحيث ينقل المستخدمون ملفات "فيديو" كبيرة نسبيا من حواسيبهم لخوادم يوتيوب، لتتاح لكل زوار الموقع، أو من على خوادم يوتيوب إلى حواسيبهم لمشاهدتها عبر متصفح الإنترنت، وكل ذلك بسرعة مقبولة. ولكن أهم من ذلك أن سرعة ويسر تبادل الملفات بين الحاسوب الشخصي والحواسيب الخادمة لشركات مثل جوجل أو "زوهو" (بحزمة برامجه الإنترنتية) قد حدا بالبعض إلى الاعتماد كلية على الإنترنت كوسيط لإنشاء وحفظ واسترجاع الملفات.

وأدت العوامل الثلاثة مجتمعة إلى بزوغ مفهوم الحوسبة الموزعة(cloud computing) وتنقل الحوسبة الموزعة ثقل تعامل المرء مع البيانات من مركزية الحاسوب الشخصي إلى الشبكة. أو كما اعتادت شركة صن مايكروسوسيستمز أن تقول في أحد شعاراتها بأن "الشبكة هي الحاسوب

تنويعات قانون مور

تبدو هذه التطورات كتنويعات على قانون مور الذي قال به في العام 1965 الباحث جوردون مور (الذي شارك لاحقا في تأسيس شركة إنتل للمعالجات الحاسوبية). وقال مور في ورقة بحثية نشرت ذلك العام أن قدرة المعالجات ستتضاعف تقريبا كل 18 شهرا بينما تنخفض أسعارها للنصف. وقد نال سعةَ التخزين الرقمية وكفاءة شبكات نقل البيانات ما نال المعالجات.

الآن وبعد مرور نحو ثلاثة عقود على بدء أنظمة التشغيل ذات الواجهات الرسومية (الجرافيكية)، يبدو التطور المتسارع في هذه الميادين الثلاثة أمرا منطقيا. فنظام تشغيل "ماكنتوش" من شركة "أبل" ثم "ويندوز" من "مايكروسوفت" تطلّبا كلاهما طاقة حاسوبية أكبر، فيما يخص كلا من المعالجات والسعة التخزينية للقرص الصلب. ثم أدى انتشار استعمال الإنترنت خلال التسعينات إلى التسابق لتوفير اتصال سريع بشبكة المعلومات.

ولكن التطور في هذه الميادين الثلاثة لم يكن تطورا كميا فحسب ، فالإضافة إلى جعل المنتجات التقنية في متناول فئة أوسع من المستخدمين، أدى ارتفاع كفاءة (وانخفاض كلفة) المعالجات ووسائط التخزين الرقمية وسعة نقل البيانات إلى ظهور أفكار وأنماط جديدة في مجال تقنيات المعلومات غالبا لم تكن في مخيلة هؤلاء الذين ساهموا في تطوير تلك المجالات الثلاثة.

فمثلا، الارتفاع الملحوظ في السعة التخزينية للوسائط الرقمية لم يؤد فقط إلى اكتساب الأقراص الصلبة للحواسيب الشائعة ما لا يقل عن 120 جيجا بايت عند كتابة السطور (وكانت في المتوسط 1 جيجا بايت عند أواخر التسعينات). وإنما أدى أيضا إلى ظهور مواقع الشبكة العملاقة التي تدعو مستخدميها للاحتفاظ بسجلات حياتهم "الرقمية" على خودامهم مجانا. فمثلا، شركة ياهو تمنح سعة غير محدودة للبريد الإلكتروني (وإن كانت تضع قيودا على حجم الرسائل الواردة والمرسلة بما لا يزيد عن 10 ميجا بايت). ومواقع مثل gOffice.com و"زوهو"Zoho وآي درايف (iDrive) وموزي (Mozy) تتيح مدى واسعا من الخدمات التي تتراوح بين إنشاء أنواع شتى من الملفات وحفظها إلى إمكانية الاحتفاظ بنسخ كاملة من ملفات القرص الصلب للحاسوب الشخصي – مجانا.

ونستطيع تلخيص الأثر النوعي للتطور في المجالات الثلاثة آنفة الذكر في النقاط التالية.

أولا: اتساع مفهوم الحاسوب الشخصي، بدرجة قد تؤدي لانقراضه. رغم أن التطورات في المجالات الثلاثة انطلقت من قاعدة أن الحواسيب الشخصية مركز تعامل المرء مع المعلومات، فإنها قد تؤدي في النهاية إلى جعل مفهوم الحاسوب الشخصي فضفاضا للغاية بما يُفقده معناه التقليدي. والمقصود أن تعريف الحاسوب الشخصي في الذهنية الجمعية أنه تلك الأداة التي تمكننا من إنشاء الملفات وحفظها واسترجاعها، إضافة إلى عرض مواد الصوت والصورة، وكذلك الاتصال بالشبكة العالمية. الآن وبسبب التطورات في معالجات الحواسيب ووسائط التخزين الرقمية وسعة نقل البيانات عبر الشبكات صارت أجهزة عديدة قادرة على القيام بجُل هذه الوظائف أو كلها
 
مثلا ما يُسمى "الهواتف الذكية" (smart phones) من نوكيا وأبل وبلاكبري وغيرها تحوي معالجات قوية تكفي لدعم أنظمة التشغيل المتطورة التي تقوم عليها تلك الأجهزة (يعتمد هاتف "آي فون"مثلا على نسخة مُطوّعة من نظام تشغيل ماك أو إس إكس الذي تعمل به حواسيب شركة أبل). فضلا عن ذلك، يمكن إنشاء وحفظ واسترجاع الملفات عبر هذه الأجهزة، خاصة أن الكثير من الطرز الحديثة تدعم سعات تخزينية تبلغ عشرات الجيجا بايت، ومرشحة للزيادة في المستقبل.

ولا يتوقف الأمر عند الهواتف الذكية. فمُشغّلات الموسيقى أيضا دخلت الحلبة، وصارت مُعدّة للاتصال بالإنترنت وتصفحها، كما مُشغّل "آي بود" من أبل، و"زيون" من مايكروسوفت. ويمكن عرض ملفات النصوص والجداول المحاسبية على الأول، وغالبا ستتاح تلك الإمكانيات للثاني في إصداره الجديد. ثم هناك أجهزة الألعاب (game consoles) والتي تدعم بدورها الاتصال بالشبكة، والتواصل مع "لاعبين" آخرين وتبادل الملفات، كما في الإصدارات الأخيرة من جهاز "إكس بوكس" من مايكرسوفت و"بلاي ستيشن" من سوني.

والمقصود أن مفهوم "الحاسوب الشخصي" ربما يتراجع تدريجيا ليحل محله مفهوم "الأداة الحاسوبية،" وهي أي جهاز مُعد للاتصال بالشبكة ولتصفحها. وعبر الشبكة يستطيع المستخدم الولوج إلى ملفاته المخزنة على خوادم المواقع الكبرى (ياهو أو "جي ميل" أو SalesForce.com أو "زوهو" أو "آي درايف" أو غيرها) لينشئ ويحفظ ويسترجع قدر ما يشاء من الملفات.

ومن ثم، قد يؤدي ذلك إلى تراجع أهمية أنظمة التشغيل بصورة عامة (إلا لدى هؤلاء الذي يجرون مهامَ معقدة). فطالما أن أي أداة حاسوبية متصلة بالشبكة ستكون قادرة على إنجاز الوظائف المطلوبة، فلن يكون ثمة فارق كبير بين استخدام نظام تشغيل "ويندوز" أو "ماك" أو "لينكس."

وتبدو بوادر هذه الظاهرة في خط الحواسيب الصغيرة (netbooks) التي لا تزيد شاشات عرضها عن 10 بوصات ويترواح سعرها حول 300 دولارا، وتعمل على نظام تشغيل ويندوز إكس بي ولينكس. وقد لاقت هذه الحواسيب من شركات "إيسر" و"آسُس" و"هيولت باكارد" استحسانا من المستخدمين خلال العام المنصرم، وفاقت مبيعاتها مبيعات الحواسيب المحمولة التقليدية. وطيّرت وكالات الأنباء مؤخرا خبر دراسة شركة هيولت باكارد إتاحة أندرويد على حواسيبها الصغيرة ("أندوريد" Android إصدار مُطوّع من لينِكس طورته "جوجل" للعمل بالأساس على الهواتف النقالة).

ثانيا: تحدي أنظمة التشغيل. بينما تغذي التطورات في ميادين المعالجات الحاسوبية وسعة التخزين الرقمية وسعة شبكات نقل البيانات الاتجاه نحو دور متضائل لأنظمة التشغيل عامة، فإن مطوري أنظمة التشغيل بدورهم سعوا إلى تسخير بعض هذه التطورات لصالحهم. ومن أجلى مظاهر ذلك التركيز على واجهة المستخدم الرسومية، والتي تستهلك طاقة حاسوبية كبيرة (في كل من طاقة المعالج والذاكرة). فمع استقرار الوظائف الأساسية لنظام التشغيل مع بداية الألفية الثالثة، ربما بدا أنه لا سبيل لتمييز نظام تشغيل عن آخر إلا عبر تجويد فائق لواجهة المستخدم الرسومية. ويقصد بالواجهة الرسومية القوائم والأيقونات التي يتعامل معها المستخدم، وتُترجَم بدورها إلى أوامر "يفهمها" نظام التشغيل ويحولها إلى أوامر للعتاد الحاسوبي.

وقد كان ذلك واضحا خاصة في نظام تشغيل "فيستا" من مايكروسوفت. فمصدر الشكوى لدى الكثيرين من "فيستا" أنه "يلتهم" إمكانيات العتاد الحاسوبي الكبيرة في كل من المعالج وذاكرة المدى القصير (RAM)، ورغم ذلك يظل أداؤه بطيئا نسبيا، أبطأ من سلفه "إكس بي." وعزا خبراء ذلك إلى ترهل واجهة المستخدم الرسومية في "فيستا." ومن ثم كانت النصيحة للراغبين في أداء أسرع لنظام التشغيل الأحدث من مايكروسوفت أن يعطلوا بعض وظائف الواجهة الجرافيكية (كالنوافذ "الشفافة").

ويعني ذلك أنه ربما ثمة ميل لدى مصممي أنظمة التشغيل إلى اختطاف الكفاءة المتزايدة في المعالجات ووسائط التخزين لجعل تلك الأنظمة أكثر جاذبية، بدلا من تمرير هذه الكفاءة إلى المستخدم ليفيد منها على الوجه الذي يبتغي (بأن يُشغل آنيا أكثر من برمجية، مثلا).

وقد لخص الباحث راندل كندي هذا في مقال نشره في أبريل بعنوان: "ما تعطي إنتل باليمين تأخذه مايكروسوفت باليسار"، وإنتل أكبر شركة إنتاج معالجات حاسوبية في العالم. والمقصود، بجملة أكثر تعميما، أن شركات أنظمة التشغيل، خاصة مايكروسوفت، تستحوز على التطورات في المعالجات لصالح نظام التشغيل وليس بالضرورة لصالح المستخدم. ويصدق هذا بدرجات متفاوتة على كل نظام تشغيل "ماك" من أبل وبعض إصدارات "لينِكس" ذات الواجهات الرسومية الفائقة. وتجدر الإشارة إلى أن الإصدار الأحدث من "ويندوز"، والمسمى "ويندوز 7،" والمنتظر طرحه العام القادم، يعالج بعض مشاكل الواجهة الرسومية في سلفه ويبقى أنه هذه الواجهات الرسومية في أنظمة التشغيل الحديثة، اتفقنا أو اختلفنا حول وجاهتها، لم تكن ممكنة لولا التطورات المتسارعة في ميداني المعالجات الحاسوبية ووسائط التخزين الرقمية

ثالثا: غذاء محركات البحث. ربما لا يجادل أحد في أهمية محركات البحث. فبفضلها يتاح للمستخدمين سبيل للمعلومات التي يبغون، ولو كانت مخبوءة في أغوار المواقع أو سراديب الشبكة العالمية. بيد أن محركات البحث – إن جاز التشبيه – أقرب حالا للإنزيمات الهاضمة بالمعدة. إن لم يوجد طعام انتفت عملية الهضم. وبالمثل، إن لم توجد معلومات مخزنة على الحواسيب المتصلة بالشبكة العالمية فلن تستطيع محركات البحث أن تؤدي وظيفتها.

وقد ساعد في ازدهار محركات البحث (جوجل وياهو و"ويندوز لايف سيرش" وغيرها) الحجم الضخم للمعلومات الذي يضاف يوميا للإنترنت (عبر الحواسيب المتصلة بها). وصار هذا ممكنا بدوره بسبب التطور في وسائط التخزين الرقمية وانخفاض كلفتها. وقد مثل هذا إغراءً للمستخدمين (أفرادا وشركات) بأن يحولوا كل المواد لديهم (من ملفات نصية وصوت وصورة وفيديو) إلى النسق الرقمي الذي يمكن تخزينه على الحواسيب. فهذا ربما ييسر الاحتفاظ بهذه المواد لفترة أطول، وكذا تبادلها مع آخرين. هذا الفيض المتجدد من المعلومات يمثل الغذاء لمحركات البحث، تنقب فيه وتفهرسه (تهضمه)، ثم تقدمه مزيجا سائغا للمستخدمين.

ولكن تصنيف وفهرسة هذا القدر الهائل من المعلومات ليس أمرا سهلا. وإنما يَسَره تهاوي أسعار المعالجات الحاسوبية مع ارتفاع كفاءتها (فضلا، بالطبع، عن برمجية البحث الفائقة لدى جوجل). ويُقَدر أن لجوجل شبكة حاسوبية تزيد على مليون حاسوب موزعة في "مزارع حواسيب" في أكثر من ولاية أميركية. ولكن جوجل ترفض الإفصاح عن عدد الحواسيب في شبكتها التي تدعم محرك البحث.

رابعا: الآنيّة الشبكية. صحيح أن محركات البحث تأتيك بصفحات النتائج في أجزاء من الثانية. ولكن ثمة بعدا آخر للـ "آنيّة" الشبكية. فمن بين صور التعامل مع الشبكة العالمية مؤخرا أنها صارت قناة لاستقبال المعلومات لحظيا، أو آنيا، من مصادرها. فعبر متصفح الشبكة تستطيع استقبال البث الحي لقناة الجزيرة مثلا، أو مشاهدة مداولات الكونجرس الأميركي عبر موقع قناة "سي سبان" (c-span.org)، أو الاستماع لمئات أو آلاف محطات الإذاعة العالمية، أو مشاهدة النقل الحي لكاميرات مثبتة في أماكن شهيرة من العالم. ثم إن خدمات الخرائط (من جوجل ومايكرسوفت وغيرهم) تتيح بثا آنيا (وإن كان مؤجلا لبضع دقائق) للمعلومات عبر متصفح الشبكة. وكذا الحال مع برمجية "جوجل إيرث." هذه الآنيّة صارت ممكنة بفضل التطورات في سعة نقل البيانات وكذا في المعالجات الحاسوبية.

وكما الحال في غيرها، للآنيّة الشبكية أوجه أخرى غير السرعة في نقل البيانات. فإمكانية نقل البيانات لحظيا تفتح الباب لإعادة تعريف الأدوات التقليدية لنقل البث الحي (كالتليفزيون والراديو). فكثير من الهواتف الحديثة تستطيع استقبال البث التليفزيوني (عبر شبكات البيانات وليس عبر نطاق الراديو المخصص للبث التليفزيوني). وبالمقابل، أدى انخفاض أسعار المعالجات الحاسوبية إلى دمجها في أجهزة التليفزيون الحديثة، ومن ثم صار ممكنا تصفح الشبكة عبر هذه الأجهزة. وبذا صار ممكنا أيضا استقبال البث التليفزيوني – عبر شبكات البيانات – على شاشات التليفزيون!

ومن مظاهر الآنيّة الشبكية أيضا ما يُسمى "الحوسبة الموزعة" (cloud computing). وتعني الحوسبة الموزعة "في جوهرها ... أن يفقد الحاسوب الشخصي، ببرمجياته وقدرته الحاسوبية وسعته التخزينية، دوره كمركز لتفاعل المرء مع المعلومات، في المنزل أو العمل، لتحل محله الخدمات الحاسوبية التي تقدمها شبكات الحاسوب متعددة الأغراض." وفي هذا النموذج يلجأ المستخدم لإنجاز بعض المهام (كعملية حسابية معقدة على جدول محاسبي مثلا) إلى الحواسيب على شبكة موزعة (كتلك التي تعمل على تطويرها مثلا "آي بي إم") لأن حاسوبه الشخصي غير قادرة على إجراء تلك المهمة، ولتأتي له النتائج عبر متصفح الإنترنت. ويحدث هذا آنيا، وكأن المرء يتعامل مع حاسوبه الشخصي. وسيكون ذلك بمقابل مالي لا يقارن بما قد يتجشمه المستخدم لو قرر شراء تلك الطاقة الحاسوبية الكبيرة اللازمة لإجراء عمله.

وربما يكون ذلك مؤشرا على أهم تطورات المستقبل فيما يخص المعلومات. وذلك أن الحوسبة، بأوجهها المختلفة، قد تصير قريبا "خدمة عامة" كالكهرباء، ينال منها كل فرد حسب ما يبغي عبر "أدوات حاسوبية" رخيصة. وسيكون هذا غالبا بفضل التطور الباهر في المعالجات الحاسوبية ووسائط التخزين الرقمية وسعة النقل عبر الشبكات.