الجمعة، 24 يوليو، 2009

التحقيق الصحافي العلمي في الكتابة العربية

وليد الشوبكي

ورقة قدمت في اجتماع المنظمة العربية للعلوم والتربية والثقافة (ألكسو) للصحافيين العلميين | دمشق، سوريا
13 يونيو/حزيران 2009

في صباح السابع عشر من يونيو/حزيران بالعام 1972 تلقى صحافي شاب بصحيفة الواشنطن بوست مهمة تغطية ما بدا أنها حادثة سرقة في مقر الحزب الديمقراطي في واشنطن. لم يتحمس الصحافي كثيرا، وكان قد التحق بالـ "بوست" قبل ذلك بتسعة أشهر فحسب. ولكنه ذهب لمقر البوليس على أية حال. أثمرت هذه البداية المتواضعة ما قد يكون أعظم لحظات المجد في تاريخ الصحافة قاطبة. فبعد نحو عامين من التغطية لسلسلة الانكشافات التي بدأت بذلك اليوم من حزيران، اضطُر الرئيس الأميركي نِكسون للتنحي على أثر فضيحة الفساد التي اكتشفها وفصّلها بشجاعة ذلك الصحافي الشاب (بوب وودورد) وزميله (كارل برنستين). وكانا كلاهما في بدايات العِقد الرابع من العمر.

في العالم العربي، بالمقابل، نجد دورا أضعف للتحقيق الصحافي. وقد ذكر ذلك الصحافيُّّ المرموق محمد حسنين هيكل غير مرة بقوله أن ثمة غَلبة لصحافة الرأي في العالم العربي على صحافة الخبر. والمقصود أن ثمة نزوعا في العالم العربي لتدبيج مقالات الرأي بدلا من إنشاء المقالات المعتمدة على النقل الصحافي، أي التحاور مع ذوي الشأن في القضية محل النظر، ثم عرض الأراء المختلفة في تدرجها عبر طيف الألوان، وليس كصراع في ثنائية الأبيض والأسود.

وليست الصحافة العلمية استثناءً في زهدها في التحقيق الصحافي ونأيها عنه. فللكتابة العلمية (ولا أقول الصحافة العلمية) في العالم العربي رافدان: مقالات الرأي ومقالات التحليل المعتمدة على البحث أو الترجمة أو كليهما. أما الصحافة العلمية العربية، أي المعتمدة على التحقيق الصحافي (عبر عرض أراء آخرين) فدورها ضئيل. وغالبا ما يعتبرها الصحافيون مرحلة انتقالية "يضطرون" لخوضها في بدايات عملهم الصحافي، ثم يهجرونها لكتابة مقالات الرأي ما إن يتكون لهم شيء من رصيد الثقة لدى القراء. 

هذا الدور المتضائل لصحافة "الإخبار" في العالم العربي يؤدي إلى آثار سالبة عديدة، على نوعية الصحافة العلمية، وعلى دور الصحافة العلمية (والصحافة عامة) في المجتمع. ولا يستقيم حديث عن أي من فروع الصحافة (كالصحافة العلمية) إلا بإرساء بعض الأسس حول دور التحقيق الصحافي باعتباره لب الصحافة، ومحورها الذي يتفرع منه دوراها الأساسيان: كرقيب على كل أجهزة السلطة في صورها المختلفة، وكوسيط يتحاور عبره أفراد المجتمع الواحد. وهذا ما سأحاول فعله في هذه المداخلة. وما إن نطمئن إلى بعض الأسس والبديهيات حول محورية التحقيق الصحافي عامة فإننا نحول أنظارنا حينها إلى التحقيق الصحافي العلمي وأهميته.

عن التحقيق الصحافي

لدى الوهلة الأولى، قد يثير الحديث عن محورية التحقيق الصحافي (باللغة الإنجليزية: reporting) علامات استفهام مستنكِرة. فقد يقول البعض أن ذلك أشبه بمحاولة إقناع مستخدمي الحواسيب بأهميتها -- رغم أنها باتت مشهدا أساسيا في نطاق العمل والحياة اليومية وما بينهما. ولكن حال الصحافة العربية -- ومن فروعها الصحافة العلمية -- أعقد من ذلك. فبينما ينعقد إجماع (ولو كان ضمنيا) على أن الحواسيب تجعل قيامنا ببعض الأعمال أيسر وأسرع، فإن الإجماع لم يستقر بعد في العالم العربي على مركزية صحافة "الإخبار" (عن آخرين) مقارنة بصحافة الآراء. ومن ثم كانت الحاجة لتوجيه نظرة متأملة لأسباب غياب هذا الإجماع وآثاره، خاصة على الصحافة العلمية. ولكن قبل هذا لا بد من الاتفاق على بعض التعريفات والبديهيات.


1. الصحافة والتحقيق الصحافي: تعريفات وبديهيات

كفاتحة لمناقشة التعريفات، دعونا نبدأ بهذه البديهية: كل الصحافة كتابة، ولكن ليست كل الكتابة صحافة. والمقصود أن الصحافة -- شأنها شأن القصص القصيرة والرويات ونصوص الأفلام ومقالات الرأي والرسائل -- أقول أن الصحافة شأنها شأن هؤلاء جميعا صورة من صور الكتابة. ولكنها كنوع مُعين من الكتابة مُمَيّزٍ عن غيره لها خصائص محددة. صحيح أن الصحافة قد تتناول نفس "المضمون" أو الموضوعات التي تتناولها قوالب الكتابة الأخرى كالمقالات الأدبية أو الروايات، ولكنها تتخذ "شكلا" أو "قالبا" مختلفا. وهذا القالب لا يخصم من قدرتها على البيان والتوصيل (تماما كما الحال حين لا نَعدُّ قصر القصة القصيرة خاصية سلبية بالمقارنة بالرواية). فما قالب الصحافة وما خصائصها؟

الخاصية الأولى للكتابة الصحافية ارتكازها على ما يقول "الآخرون" (المعنيون بالقضية محل النظر). فالصحافة في أبسط صورها إخبار "بالنيابة." وفي قاموس المورد لمنير البعلبكي يعني فعل "report" الإنجليزي ضمن ما يعني "ينقل (قولا أو خبرا أو رسالة)." ومن ثم فدور المراسل الصحافي (reporter) أن "ينقل" ما قال فلان وفلان بشأن كذا وكذا، وأن يعرض أقوى حجة لكل طرف في المسألة محل النقاش. ولذا قد أستخدم في مداخلتي المصطلحين كليهما، التحقيق الصحافي والنقل الصحافي، للإشارة لذات المعنى، وذلك لأن مصطلح "النقل الصحافي" يوضح بغير التباس وظيفة الصحافي. (وثمة أدبيات غنية حول العلاقة بين "النقل الصحافي" والموضوعية، وإذا ما كان ذلك القالب الصحافي وِجاءً ضد التحيز أم قناعا له. ولكن هذا ليس موضوعنا هنا. وأكتفي هنا فقط بتحديد التعريفات الأساسية التي أراها مهمة للنقاش حول الصحافة العلمية.)

ولكن خصوصية قالب الصحافة لا تنتهي عند "فلان قال كذا وفلانة ردت بكذا." وإنما "تُلضم" الاقتباسات والاستشهادات في سياق أكبر، ليبدو النص الصحافي -- رغم الإقرار بأنه اختزال للواقع وليس نسخة منه -- ذا معنى، وذا صلة بحيوات القراء. والمقصود أن قالب الصحافة، المعتمد على نقل أقوال وأراء آخرين، بالأساس داعم للمضمون محل النظر وليس عبئا عليه (وهذه نقطة سنعود إليها لاحقا عند مناقشة الصحافة والحكائية).

ولكن الصحف تنشر مقالات رأي وأحيانا صورا أخرى من الكتابة كالقصص القصيرة أو الشعر. هذه الصور من الكتابة ليس صحافة. وإنما دخلت بحكم العرف في عباءة الصحافة حين كانت الصحيفة واحدة من عدد محدود من الوسائط لتبادل المعلومات ونشرها على نطاق واسع. وغني عن البيان أن هذا الحال قد تغير -- أو قيد التغير الآن -- مع تزايد وسائط تبادل المعلومات ونشرها.

ولكني أردت إبراز نقطة أنه ليس كل ما تنشر الصحف صحافة بالمعنى الدقيق. فمقالات الرأي ليست صحافة وإنما هي جزء مما تنشر الصحف اتساقا مع دور الصحيفة كوسيط تقليدي في حوار أبناء المجتمع الواحد حول ما يهمهم من قضايا. ومن ثم فلا عجب أن تدعو الصحف الخبراء في الشؤون ذات الاهتمام المجتمعي (كالاقتصاد والصحة العامة والسياسة) ليشاركوا بآرائهم بين الحين والحين. ليس أولئك الخبراء صحافيين. ولكن صار مألوفا أن تنشر الصحف "مقالاتِهم" جنبا إلى جنب مع "مقالات" الصحافيين (أي المراسلين الصحافيين) المعتمدة على "النقل" أو "الإخبار بالنيابة."

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم التحقيق الصحافي الذي أتحدث عنه يشمل نوعين من المقالات. فيضم أولا المقالات الخبرية القصيرة التي تكشف عن حدث ما للمرة الأولى، كزلزال في تركيا أو انقلاب في هندوراس (أو ما يسمى بالإنجليزية "hard news"). ويضم ثانيا المقالات المُطولة التي لا تكشف عن حدث وإنما تتناوله وآثاره بالتحليل (مثلا، كيف سيؤثر أداء الحكومة التركية في استجابتها للزلزال على فرصها في الانتخابات القادمة). ويسمى هذا النوع من المقالات الـ "feature stories." وفي كل من المقالات الخبرية القصيرة والمطولة يظل القاسم المشترك اعتمادهما كليهما على استطلاع أراء الخبراء والمعنيين بالحدث محل النظر، وليس تقديم وجهة نظر معينة.

فإذا كنا قد اتفقنا ما سبق، يبزغ سؤالان: ما مدى رسوخ التحقيق الصحافي في الصحافة العربية عامة؟ وربما قبل ذلك وبعده، لماذا نتعنت في التصنيفات (بين ما هو "رأي" وما هو "صحافة") بدلا من أن نترك الكتاب يكتبون بحرية ما يشاؤون بغير تشدد في تحديد القوالب؟ على هذين السؤالين يرتكز القسمان التاليان.

2- أهمية التحقيق الصحافي

لَئِن كان "الحج عرفة" فإن الصحافة هي التحقيق الصحافي، إن جاز التشبيه. فالنقل عن الآخرين ركن الصحافة الركين الذي لا تقوم الصحافة بغيره. وكما الحال في الحج، حيث ثمة شعائر أخرى فضلا عن صعود الجبل المُكرّم، فإن الصحيفة صارت بحكم العرف وسيطا لنشر أنواع أخرى من قوالب الكتابة. ولكن هدف الصحيفة لا يتحقق ودورها لا يكتمل إن لم تفرِد أغلب صفحاتِها للنقل عن آخرين، للإخبار بالنيابة، وليس لغير ذلك من قوالب الكتابة.

وربما يكون مفيدا هنا أن نحاول الإجابة على هذا السؤال: لماذا يمثل التحقيق الصحافي، وليس غيره مما تنشر الصحف، لب الممارسة الصحافية؟

أولا، قد يكون التحقيق الصحافي أكثر الأساليب كفاء في نشر المعرفة حول القضايا ذات الاهتمام لدى جماعة أو مجتمع. ففي أغلب الأمور ذات الاهتمام العام، خاصة السياسات العامة، تتعدد الآراء، ليس فقط عبر الشرائح المختلفة (كالساسة والعلماء وعموم المواطنين)، وإنما داخل كل شريحة على حدة. فمثلا، حينما ثار الحديث حول الآثار السلبية المحتملة لتغير المناخ على الساحل الشمالي لمصر وسبل التصدي لمخاطره، تباينت الآراء حتى بين المتخصصين. وغني عن البيان أن الصحف لن تفرد لكل رأي حول ذلك الأمر مقالا يكتبه أحد المختصين. ثم أنّى للقارئ العام أن يوجه الانتباه والاهتمام لمعرفة التفاصيل الدقيقة التي يختلف حولها الخبراء. ومن ثَمّ كانت أهمية التحقيق الصحافي كقالب يعرض في مساحة محدودة مدى واسعا من الآراء، قالب يقدم أقوى حجة من كل طرف في النقاش، ويضعها في سياقها ويبسطها، ويُخلّصها مما قد يشوبها من رطانة المتخصصين.

ثانيا، يوسع التحقيق الصحافي ما يمكن أن نسميه دائرة النخبة. ففي مقالات الآراء، قد يحظى رأي بما يقارب الإجماع لا لشيء سوى أن كاتبه طويل العهد بالكتابة حول الموضوع أو أنه مقرب من دوائر صنع القرار، أو غير ذلك. أما التحقيق الصحافي -- وبطبيعته كقالب "جمعي" وليس "فرديا" -- فيسعى لتضمين طيف واسع من الآراء حول كل موضوع. وعبر هذا التضمين، يكتشف المجتمع أصواتا جديدة ومختلفة، من الخبراء ومن غيرهم، في شتى المجالات، فتتسع رقعة النخبة المؤثرة في المجتمع.

ثالثا، إذ يسهم التحقيق الصحافي في توسيع دائرة النخبة فإنه يؤدي في واقع الحال إلى جعل المجتمع أقل نُخبوية. والمقصود أنه عندما تتسع دائرة النخبة لتشمل خبراء وأصواتا من كافة المهن والطبقات الاجتماعية والتوجهات الفكرية، فإن بنية المجتمع غالبا ستكون أقل طبقية. فالخطوط الفاصلة بين طبقة "منتجي" الآراء والثقافة وطبقة متلقيها ومستهلكيها ليست خطوطا في الصخر، وإنما خطوط واهية ومتحركة. ويرجع ذلك، بقدر ما، للتحقيق الصحافي كقالب لا يعترف بهذه الخطوط وإنما يتحرك عبرها. ففي حال أثر تغير المناخ على الساحل الشمالي لمصر، على سبيل المثال، لا يكتفي الصحافي بالحديث مع المسؤولين الحكوميين والإدارة المحلية والخبراء فحسب، وإنما يحاور أيضا الساسة المحليين من المعارضة، وكذا الأفراد العاديين ممن قد ينالهم الخطر، في مساكنهم أو أعمالهم.

رابعا، يعضد التحقيق الصحافي -- ربما أكثر من غيره من قوالب الكتابة -- شعور الفرد بالانتماء لدى جماعة معينة لأنه يعكس نقاشات (ومجادلات) وآمال واختلافات تلك الجماعة بصورة يومية. وقد لخص ذلك المسرحي الأميركي الراحل آرثر ميلر ذلك حين ذكر ذات مرة لصحيفة "الأوبزرفر" البريطانية أن "الصحيفة الجيدة نتاج أمة في حوار مع ذاتها." والمقصود بالصحيفة هنا التحقيق الصحافي، باعتباره القالب الذي يتغذى على ذلك "الحوار" ويغذيه. وقد اعتبر المؤلف بنيدكت أندرسن في كتابه الشهير "جماعات مُتخَيّلة" (Imagined Communities) أن الصحف -- وفي ظني التحقيق الصحافي على وجه التحديد -- كان من أهم العوامل التي أدت لبزوغ الشعور القومي عبر التاريخ، في أوروبا، ثم آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية إبان حقبة الاستقلال أواسط القرن الماضي. ومن آثار ترسخ التحقيق الصحافي أيضا أن يعتاد أبناء المجتمع الواحد على قبول الآراء المتعددة كأوجه للحقيقة، بدلا من شجب الاختلاف -- الذي هو سنة الله في خلقه -- بدعوى أنه حياد عن الجادة.


فإذا أقررنا بأهمية التحقيق الصحافي كَلُبِّ الممارسة الصحافية ومرتكز دور الصحيفة في المجتمع، لا مفر من التساؤل إذاً حول حال التحقيق الصحافي في الصحافة العربية.


3- التحقيق الصحافي في الصحف العربية

لو نظرت للصحف العربية لوجدت التحقيق الصحافي الرصين نادر الظهور أو مُنعدِمَه. ففي صحف مثل الحياة والأهرام والشرق الأوسط والسفير تجد أن الخبر الرئيس على الصفحة الأولى يعتمد على "سرد" لحدث (مثلا زيارة الرئيس السوري للسعودية) مع مقتطفات عامة مما أوردت محطات التليفزيون على لسان الشخص المركزي في الحدث أو المتحدث باسمه. أما إن كان الحدث خارج الدول العربية، ففي الأغلب الأعم يقوم المراسل (رغم أنه يقيم بالعاصمة محل الحدث) بصياغة وتلخيص ما أوردت وكالات الأنباء.

ولا يختلف الأمر كثيرا في مواقع الإنترنت العربية ذات نسب القراءة العالية. فموقع الجزيرة نت لا يقدم إلا تحقيقات صحافية ضعيفة المستوى وقليلة العدد في نطاق "الأخبار" بينما يوجه جُلّ اهتمامه لنطاق "المعرفة" حيث تجد فيضا من مقالات الرأي. وفي موقع قناة "العربية" لا يختلف الحال كثيرا. فالتحقيقات الصحافية محدودة للغاية، ويغلب عليها الطابع الترفيهي وليس التحليلي المتعمّق.

وفي باقي الصحف العربية (باستناء صحف المغرب العربي التي لم يتح لي أن أطلع إلا على عدد محدود منها) تجد أن ثمة صفحة واحدة، ربما أسبوعية، مخصصة للتحقيقات، وباقي الصفحات، على مدى أيام الأسبوع، أخبار قصيرة متفرقة ومقالات رأي تحظى بنصيب الأسد.

وحتى في الصحف التي تسعى لزيادة حصة التحقيق الصحافي على صفحاتها، مثل "المصري اليوم،" تجد أن مفهوم التحقيق الصحافي غالبا غير ناضج. فالمقال مكون مثلا من خمس فقرات، الأولى تقدم الموضوع، والفقرات الأربعة التاليات مخصصة كل منها لأحد المصادر الذين التقاهم الصحافي. وتبدأ كل فقرة بشيء من قبيل:"وأضاف الدكتور فلان،" "وأوضح السيد فلان،" "وأكد المهندس فلان." ونادرا ما تجد اشتباكا في الآراء وحوارا بينها داخل التحقيق الصحافي. غياب النضج والحوار الداخلي يحرم المقال من أن يصير كلاً أكبر من مجموع أجزائه.

في المقابل، التحقيق الصحافي في الصحف المرموقة مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست يمثل القاعدة في التغطية الصحافية وما دونه استثناء. فباستثناء صفحة الآراء (والتي تشمل الافتتاحيات التحريرية للصحيفة) التحقيق الصحافي هو عملة التغطية الصحافية. والاستشهاد بآراء المختصين والمعنيين في كل المقالات، طالت أو قصرت، روتين يلتزم به الجميع بصرامة.

وقد تطور مفهوم التحقيق الصحافي في المطبوعات الغربية لدرجة أن بعض المجلات تفرد عشرات الصفحات للمقالات المعتمدة على استطلاع عدد هائل من المصادر في تحقيقات مطولة وكاشفة، قد تصل إلى ما يفوق عشرين ألف كلمة، كما تفعل مجلة "ذي نيويوركر." مثلا، هذا رابط لمقال من "ذي نيويوركر" بعنوان "الروائي والشيخ" نُشر أوائل العام ١٩٩٥ عن نجيب محفوظ بعد محاولة اغتياله في العام السابق:
http://www.newyorker.com/archive/1995/01/30/1995_01_30_052_TNY_CARDS_000370344?printable=true


وفي مجال العلوم والتقنية، تنشر مجلة "وايرد" (Wired) تحقيقات مطولة أيضا، ولكن ليس بنفس سخاء الـ "نيويوركر."

وتنشر بعض الصحف تحقيقاتها المطولة على حلقات. وكما سبقت الإشارة، كان سقوط الرئيس نكسون، بعد انفضاح فساد إدارته، ناتجا عن سلسلة مقالات من هذا النوع نشرتها واشنطن بوست.

فإن كان هذا حال التحقيق الصحافي عامة في الصحف العربية فكيف حال التحقيق العلمي؟

4- التحقيق الصحافي العلمي في الصحف العربية

ليست الصحافة العلمية استثناءً من الصحافة العربية. وإنما هي تيار من تياراتها، يتأثر بتوجهاتها العامة وما رسا من ممارساتها وأولوياتها. بيد أن لغياب مفهوم ناضج للتحقيق الصحافي أثرا أكثر سوءا على الصحافة العلمية مما على الصحافة عامة.

ولمناقشة ذلك دعونا نتفق على بعض النقاط. تعتمد الصحافة العلمية الرصينة بالأساس على ثلاثة روافد: الاكتشافات العلمية والاختراعات من مراكز الأبحاث، سواء حكومية أو لدى مؤسسات تجارية كشركات الأدوية؛ الدراسات والأوراق البحثية التي تنشرها الدوريات؛ والسياسات الحكومة المتعلقة بالعلوم والمشروعات الحكومية والشراكات في مجال العلوم، مثل إقامة مراكز أبحاث جديدة أو تحسين جودة المراكز القائمة. هذه الروافد الثلاثة تمثل، إن جاز القول، المادة الخبرية الخام يتلقفها الصحافي ليحولها إلى مادة "مُفلترة" وغنية ومُشوّقة عبر الحوار مع عدد من الخبراء والمعنيين، يضيف كل منهم ضوءً أو منظورا.

مثلا، وأستميحكم عذرا في الاستشهاد بشيء مما كتبت، أعلنت شركة إنتل للمعالجات الحاسوبية في أواسط مايو/أيار 2006 أنها ستطرح حواسيب رخيصة موجهة للأغراض التعليمية، خاصة في الدول النامية. وجاء هذا الإعلان على أثر مبادرات أخرى مثل "حاسوب لكل طفل" (من مختبر الإعلام بجامعة "إم آي تي") و"في وان" من شركة "فَيا" التايوانية، إضافة إلى مشروعات من شركتي مايكروسوفت و"إيه إم دي" للمعالجات، وغيرهما. وكان وزير الاتصالات والمعلومات المصري قد أعلن أن مصر ستشتري مليون حاسوب ضمن مشروع "حاسوب لكل طفل" لتوزيعه على طلاب المدارس. فكتبت حينها تحقيقا صحافيا حاولت فيه المقارنة بين هذه المبادرات المختلفة، فتحدثت مع ممثل لشركة إنتل، وممثل مشروع "حاسوب لكل طفل" في الشرق الأوسط، ومع مديرة برنامج التقنيات والتنمية لدى البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة بالقاهرة، ومع اثنين من مخترعي حواسيب "السمبيوتر" الهندية التي يُعتقد أنها كانت أول محاولة جادة في مضمار الحواسيب الرخيصة للدول النامية (بدأت بالعام 2002)، ومع باحثة في تقنيات المعلومات للمجتمعات النامية بجامعة كارنيجي ميلون الأميركية. إذا المادة الخام التي حصلت عليها لبداية العمل كانت الإعلان من شركة إنتل، إضافة إلى الاستشهاد بمقالات عديدة مما كُتب حول الأمر. أما عملية البحث والإثراء والفلترة فشملت التحدث مع الضيوف الذين ذكرتهم للتو. ثم كان نتاج ذلك مقالا نشرته على موقع شبكة العلوم والتنمية (سايدف):
http://www.scidev.net/en/features/pcs-for-the-poor-as-good-as-their-hype.html

هذا النوع من التحقيقات الصحافية العلمية -- المعتمد على استقراء مدى واسع من آراء الخبراء وذوي الشأن، وكذا الأدبيات المنشورة حول الموضوع محل البحث -- هذا النوع ليس شائعا في الصحافة العربية. وتجد بالمقابل غلبة لترجمة وتلخيص ما تنشر وكالات الآنباء ("رويترز" و"أسوسييتد برس") أو المجلات الغربية (مثل "سيانتفك أميركان"). ولا يتورع بعض الصحافيين عن إعادة نشر البيانات الصحافية التي ترد لبريدهم كما هي، ومذيلة بأسمائهم وكأنهم مؤلفوها. لست أقول أن هذا حال كل الصحافيين، وإنما -- للأسف -- حال أغلبهم. وليس ثمة شك في أن هناك من يكتب تحقيقات صحافية جيدة وجادة مثل نادية العوضي وحنان الكسواني.

ثم إن الغياب شبه الكامل للتحقيق الصحافي كقالب للكتابة العلمية لا يعني غياب كل صور الكتابة العلمية الجادة بالعربية. فثمة كتابات علمية تعتمد على البحث واستقراء الأدبيات المتاحة وليس على الحوار مع الخبراء -- ومن الأمثلة على ذلك ما يكتب إيهاب عبد الرحيم وعزت عامر وزينب غصن ونها سلامة وريم مهنّى.

ولكن إذا كنا قد اتفقنا على الأهمية المحورية للتحقيق الصحافي (كما ناقشنا أعلاه)، فربما حتميّ أن ثمة آثارا سلبية لتضاؤل وجود التحقيق العلمي في الصحافة العربية. منها أولا أن المتخصصين ذوي الصلات بالسلطة، أو بمحرري الصحف، سيتمكنون من فرض أصواتهم على الأصوات المعارضة عند بزوغ نقاش حول قضية عامة ذات أبعاد علمية. مثلا، في حال قضية أثر تغير المناخ على الساحل الشمالي لمصر، ربما تتمكن الأصوات الأقرب للسلطة من الحصول على مساحات في الصحف أكثر من غيرها. أما التحقيق الصحافي -- بطبيعته التعددية، إن جاز القول -- فيغزل مادة ثرية من الآراء المختلفة للعلماء حول التعامل مع المسألة، سواء المقربين من السلطة أو النائين عنها، الداعمين للسياسات الحكومية أو معارضيها.

ثانيا، العلوم في حال تجدد وتوسع دائمين. وليس ممكنا لصحافي أن يلم بكل جديد، أو بتفاصيل أي فرع دقيق من العلوم. ومن ثَم، فإن كان التحقيق الصحافي محوريا في الصحافة عامة، فإنه أكثر محورية في الصحافة العلمية لأن الحوار مع الخبراء (العلماء) يمثل هنا المصدر الأساسي للمعلومات التي ترد في الدوريات العلمية، وكذا للتحقق من أهمية ما يقوم به باحثون آخرون، وأيضا للتحقق من جدوى السياسات الحكومية في مجال العلوم. في كل هذه الأمور يبدو أن لا سبيل لإنتاج مادة صحافية ذات قيمة إلا عبر النقل عن آخرين (العلماء وغيرهم). بجملة أخرى، ربما يكون التحقيق الصحافي الأكثر مناسبة (من بين كل قوالب الكتابة) لتغطية شؤون العلوم بكفاءة ودقة.

ولكن لماذا لا نستكتب المتخصصين (العلماء) مباشرة بدلا من النقل عنهم بـ "النيابة" في التحقيقات الصحافية العلمية -- فيقدم كل باحث وجهة نظره أو وجهة نظر الجانب الذي ينتمي إليه في النقاش أو المسألة محل النظر؟ وجه الضعف في مقالات الرأي أنها قناة اتصال ذات اتجاه واحد: من الكاتب إلى القراء. وليس ثمة سبيل لمحاججة كاتب المقال إلا بمقال يرد عليه (أو برسالة للمحرر). وربما لا تتاح الفرصة لمن قرأ المقال الأول أن يقرأ الرد فيبني رأيه على الأول. وربما يقرأ الرد مَن لم يقرأ المقال الأول، فيكون تحيزه لصاحب المقال الثاني. أما في التحقيق الصحافي فالهدف تقديم منظور متكامل قدر الإمكان عن النقاش الدائر حول إحدى القضايا، وذلك بعرض أقوى حجة لكل طرف. ويُترك للقارئ عندئذ أن يقرر أي وجهة يدعم.

5- التحقيق العلمي: نظرة للأمام

وإذ تبدو جليةً أهمية قالب التحقيق الصحافي في الصحافة عامة وفي الصحافة العلمية خاصة، فالسؤال إذاً كيف نطور التحقيق الصحافي العلمي بالعربية ونشجع الصحافيين والكتاب، الممارسين والجدد، على الإقبال عليه وإجادته؟

أعرض فيما يلي أفكارا حول سبل تحسين التحقيق العلمي في الصحافة العربية، كمّا وكيفا.

أ) قد يبدو أن التحقيق الصحافي قالب مُضجر لعرض العلوم، خاصة مع اعتماده المحوري على "هو قال .. هي قالت." وربما لا ينأى هذا الوصف كلية عن الحقيقة -- لو كان حديثنا عن المقالات التي تُساق فيها الاقتباسات بغير رابط أو سياق. ولكن قالب التحقيق الصحافي تطور كثيرا من بداياته الأولى في القرن السابع عشر HYPERLINK \l "FOOTNOTE-1"1 (في ستراسبورج، والتي صارت لاحقا جزءً من ألمانيا). ولعل أهم تلك التطورات المعاصرة استخدام القص أو الحكائية (storytelling) كمكوّن أساس في قالب التحقيق الصحافي. وحسب ما ذكر كِنِث أوليتا، الصحافي بمجلة "نيويوركر،" في كتابه Back Story، أنه في ستينيات القرن المنصرم كان لصحافيين مثل جاي تاليس وديفيد هالبرستام دور كبير في تضمين أساليب القص -- كالتشويق وعرض الشخوص المؤثرة على مجرى الأحداث، وغيرها -- ضمن نسيج التحقيق الصحافي المعاصر. ومما اشتُهر عن ديفيد هالبرستام (أبرز من غطى حرب فيتنام) قوله أن الشخوص في التحقيق الصحافي يشبهون الشخوص في المسرحية؛ والكاتب الجيد يعرف كيف ومتى يَظهر الشخوص على خشبة مسرحه، وكيف ومتى يغادرونها.

ولو نظرنا اليوم للصحافة الأميركية والأوروبية لوجدنا ترسخا للكثير من أدوات الحكي -- التي كانت مقصورة في الماضي على الروائيين والقاصّة -- متداولة في التحقيقات الصحافية، علمية وغير علمية. هذه مثلا الجملة الافتتاحية لمقال عن التطور في مجال حفظ ونقل الأعضاء من موتى إلى أحياء، ونُشر في مجلة "وايرد" الأميركية في عدد نوفمبر/تشرين الثاني بالعام 2003: "في غرفة الرجل الميت، يظل جهاز التليفزيون يبث صوره طوال الليل."


"The television in the dead man's room stays on all night." HYPERLINK \l "FOOTNOTE-2"2

وهذه افتتاحية مقال من مجلة "إكونومست" البريطانية (عدد 19 يونيو الماضي) عن مفهوم جديد لأجهزة القلوب الاصطناعية: "رجحت عملية التطور الصراصير على البشر -- على الأقل فيما يتعلق بكفاءة عضلة القلب. فقلب الصرصور يظل قادرا على النبض، حتى حين تخفق إحدى حجيراته."

"EVOLUTION has favoured cockroaches above human beings, at least when it comes to the functioning of the heart. A cockroach’s heart will continue to beat even when one of its chambers has failed." HYPERLINK \l "FOOTNOTE-3"3

ولا تقتصر الاستعارة من أساليب القص على الافتتاحيات المشوقة والدالة، وإنما تشمل كذلك -- كما ذكر هالبرستام -- رسم الشخوص وطريقة الاقتباس منهم، وغير ذلك مما لا يتسع له المقام هنا. ويبدو لي أننا بحاجة إلى ترسيخ المنظور الحكائي للتحقيقات الصحافية. وأقول "ترسيخ" وليس "تأسيس" لأن ثمة نماذج مرموقة على الكتابة الصحافية التي تستفيد بإتقان من الحكائية. ومنها مثلا ما كتب محمد المخزنجي في استطلاعاته لمجلة العربي الكويتية في النصف الثاني من التسعينيات الماضية (كاستطلاعاته في بولندا والصين والهند وروسيا). فالتحقيق الصحافي العلمي الذي يستفيد من فنون القصّ قادر ربما أكثر من غيره من قوالب الكتابة على احتواء قدر كبير من المعلومات المُدققة، كما على الاحتفاظ بانتباه القراء واهتمامهم.

ب) ربما يكون التحقيق الصحافي أكثر القوالب ملاءمة لتغطية العلوم حتى في البلدان حديثة العهد بالعلوم والمؤسسات العلمية. في قطر أو السعودية مثلا ثمة سعي جاد لإنشاء مؤسسات علمية وإقامة بنية تحتية علمية للمستقبل. ولكن إنتاج العلم على الوجه الذي نراه في ألمانيا مثلا ربما لم يبدأ بعد. ورغم ذلك، يستطيع الصحافي العلمي السعودي أو القطري أن يكتب تحقيقات علمية جادة لو أراد. وذلك لأن التحقيق العلمي يبدأ من أي نقطة يراها الصحافي مناسبة ("المادة الخام")، ليتناولها بعد ذلك من منظور محلي ذي معنى لقرائه وذي صلة بحيواتهم. مثلا، لنقل إن ثمة بيانا صحافيا من مجلة "سيانس" (Science) عن ورقة منشورة بالدورية المرموقة حول إنجاز فريق بحث أسترالي ما قد يكون علاجا مستقبليا بالخلايا الجذعية لمرض السكري. يستطيع الصحافي هنا أن يحصل على سبل الاتصال بالباحثين عبر البيان الصحافي، وكذلك أن يحصل على نسخة (مجانية) من الورقة المنشورة في "سيانس" عبر التواصل مع محرري المجلة، ثم يتناول الورقة البحثية من منظور كيف يمكن أن تؤثر نتائجها على معدل الإصابة بالمرض في السعودية وقطر، خاصة أن معدل الإصابة بالسكري في خليج يفوق المتوسط العالمي. ويستطيع الصحافي العلمي أن يحاور أطباءً محليين، فضلا بالطبع عن باحثي الدراسة. وربما يستطيع أن يوسع الزاوية قليلا فيلتقي بمسؤولين في وزارة الصحة للتعرف على جهود الحكومة في التعامل مشكلة المعدلات العالية للسكري، وما إذا كانت وزارة الصحة مثلا تولي انتباها لما يُنشر من أبحاث جديدة حول الأمر. ثم إن الصحافي قد يتطرق بالطبع للمسائل الأخلاقية حول استخدام الخلايا الجذعية وما إذا كان مصدرها الأجنة أم نخاع العظام من البالغين، وعلى أي من هذه المصادر اعتمد فريق البحث الاسترالي.

والمقصود أن الجغرافيا قد لا تشكل عائقا أمام التحقيقات الصحافية العلمية بقدر ما هو الحال في غيرها من القوالب، خاصة مقالات الرأي. وغني عن البيان أن رهط كتاب الرأي ذوي الأصوات المسموعة في ساحة الصحافة العربية نادرا ما يتطرقون للموضوعات العلمية بتعمق أو دقة. أما قالب التحقيقات الصحافية فيتيح ذلك كما يبين المثال أعلاه.

ج) في هذه اللحظة من تاريخ العالم العربي وسعيه لتعويض ما فاته في ميدان العلوم، يبدو أن حاجتنا لقالب التحقيق الصحافي أشد من أي لحظة سبقت. فالتحقيق الصحافي في أحد أوجهه إخبار "للكل" (أمة أو جماعة) بما يفعل أو يفكر "البعض" (مثلا، الباحثون في مختبر، أو عمال السكة الحديد في قرية نائية). وهو أيضا إخبار للبعض بما يفكر الكل. مثلا، لو أننا في أواخر العام 1997، ما الانطباع العام لدى الاسكتلنديين، أو لدى الرأي العام العالمي، حول قيام فريق بحث اسكتلندي (بقيادة العالم إيان ويلموت) باستنساخ النعجة "دولي"؟

الآن وحيث تتسارع الجهود في أنحاء شتى من العالم العربي لدعم العلوم ومراكز الأبحاث، كما نرى في جهود المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا مثلا، فإننا بحاجة إلى أن يعرف عموم الجمهور ما يدور على طاولات المختبرات، والمناقشات التي تتردد في أروقتها. فمن ناحية، هذا سيعضد الشعور بالمسؤولية الاجتماعية في نفوس الباحثين الذين يُسلط عليهم الضوء. ومن ناحية أخرى، ستؤدي التغطية الصحافية (في قالب التحقيق العلمي) إلى تحسين المكانة الاجتماعية للعلماء والباحثين باعتبارهم عناصر مؤثرة ضمن النخبة في المجتمع. وسينعكس ذلك إيجابا على إقبال الأفراد، وخاصة النشء، على المهن المرتكزة على العلوم.

وإن جاز لي، سأسمح لنفسي بأن أعلق على عمل أخي العزيز فداء الجندي ومشروع الوكالة العربية للأخبار العلمية الذي يقوده. فظني أن التحقيق الصحافي العلمي قد يكون سبيل الوكالة الوحيد للمجد من ناحية، ولتحقيق الهدف الذي أنشئت لأجله من ناحية أخرى، وهو إنشاء قناة اتصال بين مراكز الأبحاث بعضها البعض، كما بين مراكز الأبحاث والمجتمع ككل، بمختلف مؤسساته وفئاته.

د) بيد أن جهود الصحافيين في إنجاز تحقيق علمي جاد لن تؤتي ثمارها لو لم يقدر المحرر تلك الجهود ويشجعهم على بذل المزيد في تحسين تحقيقاتهم، وذلك باستشارة عدد أكبر من الخبراء والمعنيين في المقال التالي، أو بالاطلاع على قدر أكبر من المواد المتعلقة بالقضية محل البحث، أو باتخاذ زوايا مختلفة ومبتكرة تركز على أثر الحدث العام على الخاص، كحياة الأفراد البسطاء مثلا. ولذا فإن أي جهد لتحسين الصحافة العلمية، وخاصة التحقيق العلمي، يجب أن ينتبه لمحورية دور المحرر والسعي لتحسين أدائه وتثقيفه، خاصة إذا لم يكن قد درس الصحافة والتحقيق الصحافي بصورة نظامية (في الجامعة تحديدا).

كلمة ختامية

حاولت في هذه المداخلة أن أقدم أقوى حجة ممكنة لإعادة النظر في دور التحقيق الصحافي في الصحافة العربية عامة، وفي الصحافة العلمية خاصة. وقلت بأن قالب التحقيق الصحافي بطبيعته الجمعية، وبقدرته على عبور حواجز الجغرافيا، وكذلك على توسيع رقعة النخبة، قلت أنه نتيجة لهذه الأسباب جميعها، يبدو التحقيق الصحافي قالبا ذا أهمية محورية كوسيط تواصل ونقل معرفة في هذه اللحظة من تاريخنا إذ يسعى العرب لتحسين مؤسساتهم العلمية وإنشاء المزيد منها. وعلينا أن نتذكر أن فضيحة ووتر جيت لم تُكشف إلا بفضل مراسلين صحافيين أجادا تطويع هذا القالب لأقصى مدى. وكان المجد مآلَهما. وقد حان للصحافة العربية، وللصحافة العلمية خاصة، أن تنال لحظتها من المجد. فهذا واجب مستحق على كل الصحافيين العرب تجاه أبناء جلدتهم من المحيط للخليج.

شكرا لإصغائكم. والسلام عليكم ورحمة الله.










SHAPE
History of Newspapers, by Michell Stephens. 10 July, '09. .
Stripped for Parts, by Jennifer Kahn. 10 July. .
On the Pulse. Economist.com. 10 July. .