الخميس، 10 يوليو، 2008

بل غيتس وأسئلة الرحيل الصعبة


بينما يترك بل غيتس مهامه اليومية لدى مايكروسوفت، يبقى معلّقا سؤالان كبيران يبدو أن العبقري غيتس يئس من العثور على إجابات لهما.


بدءا من الأول من يوليو الجاري تخلى بل غيتس، أحد الشريكين المؤسسين لمايكروسوفت، عن مهامه اليومية لدى الشركة العملاقة، مكتفيا بمنصب الرئيس غير المتفرغ والاستشاري عند الطلب. وكانت مايكروسوفت قد كشفت في الخامس عشر من يونيو 2006 عن مرحلة انتقالية مداها عامان يحل فيها بالتدريج مسؤولون كبار بمايكروسوفت محل غيتس ليتفرغ الأخير لإدارة المؤسسة الخيرية الضخمة التي تحمل اسمه واسم زوجته.


ولكن نظرة متفحصة ربما تقودنا لأسباب إضافية لاختيار غيتس التنحي عن إمبراطورية مايكروسوفت في هذا التوقيت. فثمة قوتان كبيرتان في ميدان تكنولوجيا المعلومات تنازعان سيادة مايكروسوفت، ولم تستطع الأخيرة أن تواجههما بحسم خلال نحو عقد من الزمان، كما كانت تفعل في الماضي. هاتان القوتان هما التطبيقات الحرة والمفتوحة المصدر (مثل نظام تشغيل لينِكس وحزمة البرامج المكتبية أوبن أوفيس) ثم البرمجيات الإنترنتية التي تُشَغّل كلية عبر متضفح الإنترنت، دون الحاجة لتثبيتها على القرص الصلب للحاسوب الشخصي، كما في الحزم البرمجية من غوغل وزوهو (Zoho) وغيرهما. ويبدو أن غيتس ورفاقه أدركوا أن الحاجة ماسة لمقاربات ورؤى جديدة في التعامل مع هاتين القوتين، وذلك لأن عقلية الحقبة الماضية لم تعد قادرة على التعامل مع المعطيات والظواهر الجديدة بكفاءة. ومن ثَمّ، ربما، كان قرار تنحي غيتس.


حقبة جديدة بمتطلبات جديدة

يبدو أن مايكروسوفت أدركت عمق التغيير في قطاع تكنولوجيا المعلومات مع نهايات العام 2004 وبدايات 2005. ومن دلائل ذلك أن سعت الشركة لاجتذاب دماء جديدة ضمن مسؤوليها الكبار.ففي أبريل/نيسان 2005 استحوذت مايكروسفت على شركة "جروف" للتطبيقات التكاملية (أي تلك التي تيسر التعاون بين موظفين بشركة في إنشاء وتحرير الملفات النصية والمحاسبية وغيرها آنيا عبر شبكات حاسوبية). وعُين رئيس جروف، راي أوزي، مديرا تقنيا بمايكروسوفت، ليصبح واحدا من المسؤولين الخمسة الكبار في الشركة. وكانت تلك المرة الأولى التي تدفع بها مايكروسوفت مسؤولا بشركة تم شراؤها لهذه المنزلة الرفيعة مباشرة. وقال متابعون لقطاع تكنولوجيا المعلومات حينها إن الغرض من تلك الصفقة كان بالأساس الحصول على السيد أوزي، وهو المبرمج الفذ الذي طور وفريقه "لوتس نوتس" التي كانت من أولى التطبيقات التكاملية في النصف الثاني من التسعينات. ثم تأكدت صحة هذه التحليلات عندما أعلنت مايكروسوفت بعد نحو عام عن المرحلة الانتقالية السابقة لرحيل غيتس، والتي صاحبها ترقية السيد أوزي ليصير معماري البرمجيات الأول، وهو المنصب الذي كان يشغله غيتس منذ العام 2000، وليكتفي الأخير بوظيفة الرئيس (chairman) حتى غرة يوليو الجاري.


فماذا الذي حدث في العام 2005 ليستحث تلك القرارات لدى مايكروسوفت؟ بحلول ذلك العام كانت ثمة ظاهرتان كبيرتان لم يعد ممكنا لمايكروسوفت تجاهلهما أو التهوين من شأنهما. أولهما كان صعود غوغل. ففي أغسطس/آب السابق (2004)، كانت غوغل قد طرحت أسمهمها للاكتتاب العام، محققة أكبر تقييم سوقي لشركة إنترنتية (نحو 22 مليار دولار) في أول أيام التداول منذ انهيار أسهم شركات الإنترنت أواخر العام 2000. وبعد نحو ثلثي العام كانت قيمة سهم غوغل في صعودها الصاروخي، بالغة 180 دولارا، بارتفاع نحو 100% عن سعر الطرح في أغسطس/آب. (ويبلغ سهم غوغل عند كتابة السطور نحو 530 دولارا.) أما الظاهرة الثانية فكانت ترسخ موجة البرمجيات الحرة والمفتوحة.


تحدي البرمجيات الإنترنتية

مثلت غوغل منذ بدايتها تحديا لمايكروسوفت. فمحرك البحث الفائق الذي قدمته غوغل جعل المستخدمين أكثر اعتمادا على الشبكة العالمية في الحصول على المعلومات. وهذا بحد ذاته تهديد لمايكروسوفت التي تجني العوائد من بيع البرمجيات التي تعضد ارتباط المستخدمين بالحواسيب الشخصية (مثل نظام ويندوز وحزمة برمجيات "أوفيس" المكتبية). ومن ثم، فقد كان القلق لدى مايكروسوفت بأن غوغل ربما تستطيع أن تجعل متصفح الإنترنت المزود عبر أي نظام تشغيل (وليس "ويندوز" بالضرورة) نقطة الانطلاق في تعامل المستخدمين مع المعلومات عامة (بحثا وتصنيفا وإنشاءا وتخزينا)، مما قد يُميل كفة الميزان في غير صالح نظام ويندوز وأخواته من منتجات مايكروسوفت.


أما التحدي الأكبر من غوغل فكان اعتمادها على نموذج جديد في تطوير البرمجيات وتحقيق العوائد من ورائها. ففي النموذج السائد في الحقبة قبل غوغل، كانت الشركات تبيع ما تطور من برمجيات، وتجني الأرباح من عوائد بيع تلك البرمجيات وتحديثاتها في الإصدارات الجديدة. وقد تفوقت مايكروسوفت في هذا المضمار، خاصة مع برمجياتها هائلة الانتشار ويندوز وأوفيس. غوغل، بالمقابل، تتيح برمجياتها مجانا في الغالب. منتجاتها مجانية للمستخدم، ولكنها تحصل عوائدها من الشركات التي ترغب في وضع إعلاناتها لتصحب بعضا من تلك المنتجات. وقد أطلقت غوغل الإشارة الأولى على هذا التوجه في أول أبريل/نيسان 2004 بخدمة "جي ميل" (Gmail)، خدمة البريد الإلكتروني الإنترنتي من غوغل. وقد كانت مواصفاتها مغايرة لكل منافسيها (هوتميل وياهو) لدرجة أن ظنها البعض حينها "كذبة أبريل". فبينما توقفت السعة التخزينية لياهو وهوتميل حينها عن 4 و2 ميجا بايت، على الترتيب، أتاحت جي ميل 1000 ميجا بايت (أو واحد جيجا بايت) من السعة التخزينية. إضافة إلى ذلك، كانت حركة التحديث في جي ميل متسارعة للحد الذي بدأ "جي ميل" ينافس نظراءه من برمجيات مايكروسوفت غير المجانية المزودة على القرص الصلب للحاسوب الشخصي مثل برنامج "أوت لوك أكسبرس".


وخلال الأعوام بين 2004 و2007 تأكد توجه غوغل بتقديمها مجانا بدائل مقبولة المستوى لما تقدمه مايكروسوفت بمقابل غير بسيط. وقد شمل ذلك برمجيات لمعالجة النصوص والجداول المحاسبية والعروض التقديمية والرزنامة واستقبال المحتوى المتجدد من المواقع (RSS) وغيرها، وكلها تعمل عبر متصفح الإنترنت فحسب. ويستطيع المرء أن يقوم بإنشاء وحفظ واسترجاع الملفات دون مقابل، ودون تثبيت برامج على حاسوبه الشخصي أو الحاجة لتحديث البرمجيات بانتظام.


وليست غوغل السائر الوحيد على هذا الطريق. فثمة جيل جديد من الشركات التي تقدم كل الخدمات التي كانت مقصورة على برمجيات القرص الصلب عبر متصفح الإنترنت. ومن أمثلة ذلك شركة "زوهو" (Zoho) و"جوفيس" (gOffice) اللتان تقدمان حزمتي برمجيات مكتبية، و"سيلز فورس" (SalesForce.com) لخدمات العملاء المدارة إنترنتياً، وغيرها. بل إن شركة "أدوبي"، المشتهرة ببرنامجها "فوتو شوب" لمعالجة الصور قد بدأت في طرح خدمات إنترنتية لمعالجة النصوص وتحويل الملفات لنسق (PDF) مجانا عبر موقع Acrobat.com. ويطلق البعض على هذه الموجة من البرمجيات الإنترنتية "ويب 2" (Web 2.0)، أو الجيل الثاني من الشبكة العالمية للمعلومات.


أمام هذه الموجة الجديدة من البرمجيات الإنترنتية، بحثت مايكروسوفت عن الإجابات لدى راي أوزي. الآن وبعد مرور نحو عامين على شغله منصب معماري البرمجيات الأول، لا يبدو أنه أنجز الكثير. وهذا مفهوم لأن التغير في بيئة تكنولوجيا المعلومات ربما يفرض على مايكروسوفت أن تغير طريقها الذي سلكته بنجاح لما يزيد على ثلاثة عقود. إذ كيف تستطيع الشركة العملاقة أن تواصل بيع برمجيات يقدم المنافسون أمثالها مجانا للمستخدمين؟ أتستطيع مايكروسوفت أن توزع "ويندوز" أو "أوفيس" مجانا؟ فإن لم يكن ذلك ممكنا، فما الذي تستطيع مايكروسوفت أن تقدمه مجانا للمستخدمين لتحفظ ولاءهم لـ "ويندوز"؟ وما مصير "ويندوز" لو سادت البرمجيات الإنترنتية، تلك التي تعمل عبر متصفح الإنترنت ولا تحتاج بالضرورة لنظام التشغيل الأشهر من مايكروسوفت؟


ربما أدرك غيتس، ذو الثلاثة وخمسين عاما، أنه ليس لديه إجابات وافية لتلك الأسئلة الصعبة. وربما لم يصل أوزي هو الآخر لإجابات. ولكن إلى حين تحصيل إجابات، قررت مايكروسوفت ترسيخ العلامة التجارية لـ "ويندوز" بإضافة تلك الكلمة لطيف واسع من منتجاتها. فصار برنامج التراسل "إم إس إن مسنجر" "ويندوز لايف مسنجر"، وصار "هوتميل" "ويندوز لايف ميل"، ومحرك البحث "إم إس إن" "ويندوز لايف سيرش"، وهكذا. كما طرحت مايكروسوفت مؤخرا خدمة "ويندوز ورك سبيس" المجانية التي تتيح للمشتركين حفظ واستعراض واسترجاع (وليس تحرير) الملفات، خاصة الملفات المنشأة عبر حزمة "أوفيس". ودعمت مايكروسوفت أيضا من إمكانيات التعاون والتكامل في برمجياتها، مما ييسر التشارك في إنشاء وتحرير وحفظ واسترجاع الملفات عبر برمجياتها، خاصة "أوفيس 2007".


خطر البرمجيات المفتوحة

أما النموذج الآخر في تطوير البرمجيات الذي ينازع نموذج مايكروسوفت فهو حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة، وهو اتجاه أطول عمرا وفي ظن البعض أعمق أثرا من البرمجيات الإنترنتية. في هذه البرمجيات يتعاون عشرات أو مئات أو آلاف من المبرمجين طوعا لإنتاج برامج أغلبها مجاني، وتتاح شيفرتها للجميع لمن يريد أن ينشرها أو يغيرها. وهذا يختلف عن البرمجيات المغلقة (أي أي لا تتاح شيفرتها للمستخدمين) مثل كل أو أغلب برمجيات مايكروسوفت وأبل وأوراكل، على سبيل المثال. ومن أشهر البرمجيات المفتوحة نظام تشغيل "لينِكس" وبرمجية "أباتشي" لتشغيل خوادم الإنترنت، و"سند ميل" لتشغيل خوادم البريد الإلكتروني، ومتصفح فايرفوكس، وحزمة البرامج المكتبية "أوبن أوفيس" (OpenOffice.org). وتستخدم البرمجيات الحرة والمفتوحة وزارة الدفاع الأميركية وكبرى البنوك الأميركية، مثل ميريل لنش، وشركات للإنتاج السينمائي مثل "دريم وركس"، وشركات طيران مثل "إير فرانس".


ورغم أن نظام "لينِكس" لا يزال محدود الانتشار على الحواسيب الشخصية (نحو 3%، مقارنة بنحو 93% لـ "ويندوز") إلا أنه أوسع انتشارا على الحواسيب الخادمة للشركات، بنسبة تبلغ 23%، مقارنة بـ 55% لـ "ويندوز"، كما أوردت مجلة فورتشن في أواخر 2004. يبد أن شركة "ديل"، ثاني كبرى شركات تصنيع الحواسيب، بدأت العام الماضي إصدار حواسيب محملة بأحد إصدارات نظام "لينِكس" على بعض طرزها من الحواسيب المحمولة.


وكانت حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة قد بدأت على يد المبرمج والباحث ريتشارد ستولمان بالعام 1984. ولكنها اكتسبت الزخم الكبير بعد أن طور المبرمج الفنلندي "لينَس تورفالدز" نواة نظام تشغيل "لينِكس" في العام 1991 وطرحها عبر الإنترنت للمبرمجين ليبنوا عليها ويحسنوها. وتسارع انتشار "لينِكس" خلال النصف الثاني من التسعينيات، خاصة مع إقدام شركات مثل "رد هات" (ولاحقا "آي بي إم) على تقديم خدمات الدعم الفني للحواسيب العاملة بنظام لينِكس.


لم يكن الخطر الذي تلوح به البرمجيات المفتوحة على منتجات مايكروسوفت مستترا. فالبرمجيات المفتوحة تقدم بدائل، إن لم تكن مجانية فأقل تكلفة من نظيراتها لدى مايكروسوفت. وقد بدا خيار البرمجيات المفتوحة جذابا لدى بعض الحكومات. فقد رأت دول مثل الصين والبرازيل أن اعتماد البرمجيات المفتوحة والإنفاق على تدريب مبرمجين محليين للقيام بالدعم الفني قرار ربما يكون أكثر وجاهة اقتصاديا من بذل استثمارات ضخمة على نفقات ترخيص البرمجيات مغلقة المصدر.


لصد الموجة المتصاعدة للبرمجيات المفتوحة اتبعت مايكروسوفت أساليب شتى. منها حملة إعلانية ضخمة عنوانها "تعرف على الحقائق" (Get the Facts)، محورها أن الكلفة الكلية لاستخدام البرمجيات الحرة والمفتوحة، خاصة "لينِكس" أعلى من تلك المترتبة على استخدام "ويندوز" وأخواته. ولكن يبدو أن هذه الحملة كانت محدودة الأثر، وذلك لأن دراسات من مصادر مختلفة قارنت بين الكلفة الكلية لاستخدام كل من "لينِكس" و"ويندوز" وتوصلت لنتائج متضاربة. ومن ضمن أساليب المواجهة أيضا ما شيع عن دعم مايكروسوفت لشركة أميركية تُدعى "اسكو" (SCO) قاضت شركة "آي بي إم" وعملاءها (ومنهم شركة "مرسيدس") في عام 2003 بدعوى استخدامهم بغير وجه حق أجزاءا من الشيفرة البرمجية لنظام "يونكس" (التابع لـ "اسكو") في نظام "لينِكس" الذي تستخدمه "آي بي إم" على حواسيبها الخادمة. في هذه الدعوى طالبت "اسكو" بتعويض قدره 6 مليار دولار، ولكن رفضت المحكمة الدعوى في أواخر 2006.


أوان الرحيل .. والمهادنة

إذا، بحلول العام 2005 كان جليا أن البرمجيات الحرة والمفتوحة راسخة الجذور. ولم يكن ثمة دلائل على أن بيل غيتس ورفاقه لدى مايكروسوفت قد توصلوا بعد لطريقة ناجعة للتعامل مع هذا النموذج في تطوير البرمجيات الذي يناقض نموذجهم. وربما بدا لغيتس أنه لم يكن مؤهلا لمواجهة هذا التحدي. فآثر غيتس المضي قدما نحو مؤسسته الخيرية، تاركا البرمجيات المفتوحة وأسئلتها الصعبة للدماء الجديدة في الشركة العملاقة.


ويبدو للّحظة أن راي أوزي أميل للمهادنة مع البرمجيات المفتوحة. فبدلا من الصدام – وهو التوجه الذي يشيع أن الرئيس التنفيذي للشركة ستيف بولمر يفضله – أتاحت مايكروسوفت خلال العامين الأخيرين إمكانيات تعضد للمرة الأولى التوافق (interoperability) بين الحواسيب العاملة بـ "ويندوز" وتلك العاملة بـ "لينِكس" داخل الشبكة الحاسوبية الواحدة أو عبر شبكات مختلفة.


وفي أجواء التحديين الكبيرين – البرمجيات الإنترنتية والبرمجيات الحرة والمفتوحة – بدا تنحي غيتس عن عرش مايكروسوفت أقل احتفالية مما ظن كثيرون. وفي هذا ما يدعو، ربما، لبعض التعاطف. فهذا الرجل المشهود بعبقريته والذي لم يبلغ بعد أواسط العقد السادس من عمره قد بنى أكبر شركة برمجيات في العالم؛ وحتى بزوغ غوغل، كانت مايكروسوفت أسرع الشركات نموا في التاريخ. ولكن يكاد يكون ثمة اتفاق بأن مايكروسوفت ربما تكون في واحدة من أضعف لحظاتها عبر حياتها الممتدة لما يزيد على ثلاثين عاما، إذ لا تزال أسئلة كبيرة حول مسار الشركة المستقبلي قائمة بغير إجابات.

وليد الشوبكي

نشر المقال بصحيفة السـفير اللبنانية، في العاشر من يوليو 2008.


مصدر الصورة: فليكر Flickr