الخميس، 6 فبراير، 2014

بين حكم القانون وحكم القانونيين

مقال نشر في شطرين على موقع الجزيرة نت أوائل فبراير ٢٠١٤.


لو انتهى بك التقافز بين محطات التليفزيون، ذات ليلة سَهداء، إلى حوار حول شأن من شؤون السياسة، فأغلب الظن أن أحد المتحاورين أو جميعهم من القانونيين—محامين أو أساتذة قانون أو قضاة سابقين. وتجلّى الحضور الكبير للقانونيين، ولا يزال، في النقاشات حول الدساتير وقوانين الانتخاب وحدود سلطات الحكم (التنفيذية والتشريعية والقضائية) التي أعقبت موجات الانتفاض الشعبي في الربيع العربي.

ولا عجب أن يحتل القانون (والقانونيون) مساحة واسعة فيما يدور من نقاشات. فقد برز من بين المطالب التي رفعتها الانتفاضات الشعبية إرساء حكم القانون. وانطوى هذا المطلب على طيف من الأمور، مثل استقلال القضاء، وترويض الأجهزة الشُرَطية، ولجم صلاحيات المسؤولين التنفيذيين، وحماية الحريات والممتلكات من نظم حكم جعلت القانون وسيلة للبطش، أو لتعزيز مصالح المقربين، أو لكليهما.

بيد أن السعي لحكم القانون أدى لما يشبه حكم القانونيين. والمقصود أن القانونيين، من محامين وأساتذة قانون وقضاة، ربما حازوا دورا استثنائيا في صياغة المشهد السياسي، وفي إرساء القواعد الجديدة للمُناخ السياسي للمستقبل. وهو دور يبدو متجاوزا حظوظ جماعات أخرى كالنقابات المهنية واتحادات العمّال، وعموم الأكاديميين، بل والأحزاب السياسية. ومن مظاهر ذلك، مثلا، أنك تجد حضورا غالبا للقانونيين في نقاشات مسودات الدساتير ومشاريع القوانين، لحد أن بدا وكأن الدستور شأن القانونيين، وليس تعاقدا (سياسيا) بين المنتمين لمجتمع معيّن. ومن ثم، فإنه لا يكاد يخلو برنامجُ تليفزيون من قانوني يعلق ويحلل أو يوصي ويحذر.

وفي كثرة من تلك المُحاورات تَوجّه جُل الاهتمام للتفاصيل اللغوية لمادة في دستور أو بند في قانون أكثر مما توجه للأبعاد السياسية التي يُرجَى من الصياغة القانونية أو الدستورية توثيقها. فبدت النقاشات أحيانا وكأنها مباريات بين متخصصي القانون (أو صَنَايْعِيَّة القانون بحسب تعبير شائع في العامية المصرية)، كل يبغي أن يَبُزّ الآخر باستدعاء مبدإ قانوني عتيق، أو بالاستشهاد بقضية شهيرة في تاريخ القضاء الفرنسي، أكثر من السعي لدعم أو دحض الوجاهة السياسية والمنطقية للقانون المعروض في ضوء مستجدات الواقع السياسي في تونس أو مصر أو اليمن.

وحين هلّت لحظة الانتخابات كان القانونيون، مجددا، أكثر من غيرهم إقبالا على الترشح. ففي الاستعدادات للانتخابات الرئاسية في مصر انتمى إلى جماعة القانونيين، من بين من أعلن عزمه الترشح أو تقدم للترشح في مصر، كل من عمرو موسى ومحمد البرادعي ومحمد سليم العوا وخالد علي وهشام البسطويسي وعبد الله الأشعل. وقُبَيل وبُعيد الانتخابات كان القانونيون (من محامين وقضاة) في الواجهة مع تصاعد الدور الذي لعبته المحكمة الدستورية العليا. إذ أصدرت الأخيرة قرارات عميقة الأثر في المشهد السياسي، مثل إبطال قانون العزل السياسي وإبطال قانون الانتخاب (ما أدى إلى حل مجلس الشعب)، وإبطال الإصدار الأول من قانون إنشاء لجنة الدستور، ولاحقا رفض قانون الانتخاب لمجلس النواب ورده لمجلس الشورى.

يفرض الدور المتعاظم للقانونيين سؤالين متصلين بمصير التحول الديمقراطي في بلادنا عقب الهزات الأولى للربيع العربي. أُولاهما، كيف اجتمع للقانونيين (خاصة المحاكم الدستورية) هذا الطيف من السلطات؟ أو بصياغة أخرى، لماذا قبلت السلطات الأخرى، كالتشريعية والتنفيذية، إسناد دور محوري في العملية السياسية للقضاة، وليس أي من هؤلاء الذين يعتلون المنصات في المحاكم منتخَبا أو معبِّرا مباشرةً عن الإرادة الجمعية للمواطنين؟ وأما السؤال الثاني، فإلى أي مدى يعزز الحضورُ الغالبُ للقانونيين، أو يعرقل، التحولَ الديمقراطي في مراحل الانتقال السياسي؟ في الفقرات التالية محاولة للإجابة على السؤال الأول ولإلقاء الضوء على الإشكالية التي يطرحها الآخر.

السبت، 4 يناير، 2014

خمسون عاما على رحيل كنيدي

نشر المقال في عدد ديسمبر ٢٠١٣ من مجلة الجزيرة نت، إصدار الآيباد.

[الشكر والامتنان واجبان لحسام خليل، الكاتب والمترجم من مصر، على مراجعته المقال وتدقيقه.]

لم تكن قد مرّت ساعة على تعرض الموكب الرئاسي للرصاص، حين أعلن وولتر كرونكايت، مذيع شبكة التليفزيون “سي بي إس”، وهو يبدل مضطربا موقع نظارته ليواريَ دمعه، أن الرئيس الخامس والثلاثين للولايات المتحدة قد لقي مصرعه.

كان لاغتيال جون كنيدي وقعُ المأساة. فبُعَيْد انطلاق الرصاصات الثلاث القاتلة في مدينة دالاس في خريف العام ١٩٦٣، بث هؤلاء الذين نعوا كنيدي شعورا جمعيا بأن الموت الذي عاجل الرئيس الشاب قد حال بينه وبين إكمال مشروعه. وإن قصد النّاعون أبعادا مختلفة ومعاني متباينة لذلك المشروع. فحفلت تعليقات الكتاب وافتتاحيات الصُحُف بمفردات “النهاية قبل الأوان،” ثم بالسؤال المنبثق من ذلك المعنى، والذي شغل كُتّابا ومؤرخين لأعوام وعقود تالية: “ماذا لو لم يُقتل كنيدي في ولاية الجنوب تكساس، في الثاني والعشرين من نوفمبر؟”


بعد نحو شهر من الاغتيال، نَعَتْ حنا أرِنت، الكاتبة الشهيرة، جون كنيدي والبابا يوحنا الثالث والعشرين (الذي رحل قبل كنيدي بأشهر على أثر الإصابة بسرطان المعدة) فقالت: “الراحلان كلاهما غادرا قبل الأوان كثيرا، وذلك باعتبار المشروع الذي بدأه كل منهما ولم يكمله. وقد تغير العالم وأظلم حين سقط في الصمت صوتاهما. ورغم ذلك، فإن حياتيهما قد غيرتا العالم، ولن يعود العالم أبدا لما كان قبل أن يرى هذين الرجلين.”

فما الذي تغير برئاسة كنيدي الولايات المتحدة لألْفٍ من الأيام؟ هل فقد الأميركيون بموته رمز الأمل في عهد ما بعد الحرب الكبرى؟ أكان ثمة فجوة بين أقواله وأفعاله واضطراب في صياغة مواقف بلاده، حسبما كتب في العام ١٩٦٦هانز مورغنثاو؟ وهل كان أثر كنيدي على المزاج الأميركي محصورا في سياساته كرئيس، أم في قصته (وآلامه) كشخص لم يكن براءا من العيوب، عاش حياة أغلبها في الوعي العام؟

وماذا لو لم يُغتل كنيدي، وأمهله الرصاص لإكمال فترته الرئاسية الأولى، واستمر بعدها لفترة ثانية حسبما كانت خططه؟ أكان يتغير مسار تاريخ الولايات المتحدة داخليا أو في علاقاتها بالأعداء والحلفاء؟ أكان يتغير مسار الحرب الباردة، أو تتبدّل طبيعة العلاقة بين البيض والسود ومسار حقوق المواطنة؟ أكان الرئيس الشاب، الذي كثيرا ما بشّر في خُطبه بقيم الحرية لكل البشر، يوجه الولايات المتحدة لمسلك غير الذي سلكته (عبر أجهزة الاستخبارات) في سعيها لإسقاط أو إضعاف الأنظمة المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي أو المناوئة للقطب الغربي؟

وإذ تعبر بنا هذا العام الذكرى الخمسون لرحيل كنيدي – ذكرى الاغتيال في الثاني والعشرين من نوفمبر ١٩٦٣ — لا يزال السعى متصلا للإجابة عن طرف من تلك الأسئلة. وآية ذلك ظهورُ طيفٍ جديدٍ من الكتب والأفلام (والصور على أغلفة المجلات السيارة) عن كنيدي التي صاحبت الذكرى. ورغم أن نحو أربعين ألف كتاب قد تناولت حياة وموت كنيدي منذ صعوده إلى سُدَّة الحكم في العام ١٩٦١، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز،" فإن أثره لا يزال "مراوغا،" كما كتبت "جيل أبرامسن" المحرر التنفيذي للصحيفة الأميركية واسعة الانتشار.

هذا الاستعصاء وهذه المُرَاوغة، في جانبٍ منهما، مردُّهما إلى قِصر ما قضى كنيدي في الحكم، ثم لاغتيال شقيقه “روبرت” (وكان النائب العام في عهد أخيه) في العام ١٩٦٨، ثم لحرص آل كنيدي، من زوجته وإخوانه ومن عملوا في إدارته، على التحكم في رواية التاريخ عن الرئيس الشاب. ومن ذلك، مثلا، أن بعض الحوارات المسجلة لزوجة كنيدي، جاكلين، لن تتاح قبل العام ٢٠٦٧.

فماذا بقي من كنيدي، في السياسة الأميركية وفي الوعي الأميركي، بعد خمسين خريفا من رحيله ظهيرة ذلك اليوم البعيد من نوفمبر؟

الأحد، 4 أغسطس، 2013

ملاحظات صحافية على حوار البرادعي مع شريف عامر، ٣ أغسطس ٢٠١٣

كان شريف عامر، المذيع المُجيد من قناة الحياة، موفقا في أغلب حواره مع محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية. فقد أتاح لضيفه الفرصة للتعليق على الكثير من مسائل الساعة، مثل المصالحة الوطنية وحدودها، والموقف تجاه د. مرسي، والموقف من اعتصام رابعة العدوية، وطبيعة العلاقة بين الجيش والجناح السياسي للحكم (مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء).

ولكن كان ثمة نقطة ضعف جوهرية في أسئلة المحاور. إذ ارتكزت كلها تقريبا على تبيان مواقف المسؤول الحكومي تجاه انتقادات وأسئلة من صنعوا أو وافقوا على الثلاثين من يونيو وتبعاته، وتجاهلت أسئلة وانتقادات من اعترضوا أو رفضوا. 

ومن ثم، من بين الأسئلة التي كانت تستأهل الطرح على المسؤول الحكومي، والتي تتناول ما يدور بخلد معتصمي رابعة العدوية و"الأخوان المسلمون" وحلقات داعميهم والمتعاطفين معهم ما يلي:
  • من المسؤول عن وفاة عشرات المصريين في أحداث الحرس الجمهوري والمنصة في مدينة نصر؟
  • إلامَ وصل التحقيق في الحادثتين المأسويتين؟
  • يقول معتصمو رابعة العدوية إن ما حدث انقلاب. ويقول مصريون غيرهم إنه تصحيح لمسار ثورة يناير وتعبير عن الإرادة الشعبية. ولكن ما لا يختلف عليه الطرفان هو أن ثمة انتخابات نزيهة قد ألغيت نتائجها. فكيف يثق الأخوان بدعوات العودة للانخراط في الحياة السياسية؟ ما الضمانة أنهم إن عادوا للحياة السياسية فلن يتم إلغاء الانتخابات التي يحققون فيها فوزا؟
  • دعت وزارة الداخلية معتصمي رابعة العدوية للمغادرة وأمنتهم من الملاحقة إلا من يثبت تورطه في جرائم. ولكن بصراحة ثمة شكوك مشروعة بأن هذه الدعوات ليست أكثر من ذلك وأنه سيتم ملاحقة المشاركين في اعتصامي رابعة العدوية والنهضة. ما تعقيبك؟ ما الضمانات التي يمكن أن يقدمها نائب رئيس الجمهورية للمتخوفين؟
  • كنت ممن طالب بإعادة هيكلة الداخلية لما لحق بها من تراجع مهني وفساد. الآن، وإذ لم يمض عليكم في موقع المسؤولية سوى أسابيع، كيف تثقون أن الداخلية، التي لم ينلها تعديل أو هيكلة بعد، حين تبدأ في فض اعتصام رابعة العدوية ستتعامل مع الأمر بمهنية وبأقصى حرص على حفظ الأرواح كما تبتغون؟
ورغم أن السيد عامر قال غير مرة إن حوار البرادعي كان الأول لقناة تليفزيونية عربية منذ تولي الأخير مسؤولية نائب الرئيس، فإنه أنفق وقتا في أسئلة عن شخص الرجل، مما كان يمكن إرجاؤه، مثل سؤالَي إمكانية ترشح البرادعي للرئاسة، وماذا سيفعل بعد ترك المنصب الحالي. وكـذا كان ثمة أسئلة غير محددة الهدف فيما يبدو، مثل السؤال عن تغير طبيعة الاتصالات الهاتفية بين وزير الخارجية الأميركي والبرادعي قبل وبعد الثلاثين من يونيو، وما إذا كان البرادعي سيبدأ في انتقاد الإعلام كدأب المسؤولين الحكوميين.

وكنقطة فرعية، كان الغياب الكامل لأي إشارة لمأساتي الحرس الجمهوري والمنصة ضعفا في الحوار قد يرقى لدرجة الخطأ.

تلك الملاحظات لا تنال من حقيقة أن السيد عامر أدار حوارا يليق بسمعته الطيبة في المشهد الصحافي المصري وبشخص في منصب نائب رئيس الجمهورية. وذكرنا اللقاء، من المحاوِر والمحاوَر على السواء، بما أُنسينا خلال العام المنصرم: أسئلة صحافية محترمة وإجابات رصينة.

الأحد، 7 يوليو، 2013

الثلاثون من يونيو وتبرئة الضمير الجمعي للمصريين

شهد عام د. مرسي في الحكم مواقف عديدة من التمييز ضد مواطنين مصريين، والذي بلغ أحيانا الاضطهاد والعنف والقتل. لو لم يعرف المصريون من رذائل حكم د. مرسي و"الأخوان المسلمون" سوى هذا لكفاهم سبباهم للانتفاض وإنفاذ التغيير.

ومشاهد التمييز عديدة ومتمايزة الدرجة. لعل أبسطها كان التمييز ضد غير المسلمين في لغة (وأماكن) خطابات الرئيس السابق. ثم كان التمييز ضد غير الأخوان في المناصب القيادية في الدولة. ثم التمييز ضد المسلم غير السني كما كان في صمت الرئيس السابق أواسط يونيو الماضي لدى الإساءة للشيعة في حضوره، ما ارتقى للتحريض المباشر، والذي ترجمه بُعيد ذلك بأيام موتورون مجرمون لحادث مُروع قضى فيه أبرياء منتمون للمذهب الشيعي (وشمل اللقاء الجماهيري أيضا شيطنة للمختلفين سياسيا ودعوات بأن ينزل الله بهم أشد العقاب).  وقبل ذك كله وخلاله الأمثلة لا تُحصى على التمييز ضدالمصريين من المسيحيين، في أحاديث قادة الأخوان وأعضائهم والمتحلقين حولهم.

أمام تلك الحلقات من التمييز ضد مصريين، كان لدى عموم الشعب المصري خياران. أولاهما أن لا يشاركوا في ممارسات التمييز وأن يرفضوها بالقلب أو القول حين تسنح الفرصة. والثاني أن يرفضوها بالفعل، بالسعي لإسقاط هيكل الحكم الذي يغذي ذلك التمييز ويُمنهِِجُه. ورغم أن نزول المصريين بالملايين في الثلاثين من يونيو كان لأسباب عديدة، فليس من المبالغة القول إن سببا منها كان رفض البعد التمييزي الذي بدا كجزء من بنية نظام حكم الأخوان. وقد رفض أغلب المصريين، فيما يبدو، تحمل شعور الإثم الجمعي (كما حدث للألمان على أثر الجرائم ضد اليهود أو للأوروبيين على أثر جريمة استرقاق الأفارقة) لجرائم تمييز لم يقترفها سوى فصيل سياسي واحد في ضمن الطيف السياسي في مصر المعتدل/الوسطي في أغلبه.

ولست أقصد من ذلك أن أزعم أن الشعب المصري صار يؤمن بالقيم الليبرالية من نوع الحرية المطلقة للأفراد في المعتقد والتعبير وغيرها. فلا شك أن مكونات تمييزية/استبدادية/متطرفة تسربت لمسالك التفكير لدى نفر غير قليل من المصريين خلال العقود الماضية. ولكن حتى لدى هؤلاء، كان الخوف من الآخر المختلف دينيا أو طائفيا يتوقف غالبا عند التمييز السلبي (مثلا بتحاشي الاختلاط). أما تحت حكم الأخوان فقط رأينا حالة من التمييز العنيف والممنهج، والذي لم يرُق لأغلب المصريين فيما يبدو، بمن فيهم هؤلاء الذين يقبلون بطرف من التمييز السلبي على طريقة "دعهم في حالهم؛ لهم دينهم ولي ديني."

لو نظرنا للأمر من هذه الزاوية لوجدنا بعدا حتميا في انتفاضة الثلاثين من يونيو. والمقصود هنا، كما قال كتاب وأكاديميون كثر، أن عمومية الشعب المصري رفضت ضمن ما رفضت في حكم الأخوان "تطبيع" التمييز، أي جعله أمرا طبيعيا ومقبولا، حتى لو سيق لتبرير ذلك نصوص مقدسة. ومن ثم، فإن المشهد الملاييني في الثلاثين من يونيو كان في وجه من وجوهه تبرئة للضمير الجمعي المصري من وصمة قبول التمييز ضد مصريين والانتقاص من كرامتهم. 

الخميس، 4 يوليو، 2013

"انقلاب" نباهي به العالم

من حق كل منا أن يخطئ التقدير أو يتلعثم في البيان. ولكن يثير الانتباه ويدعو لمحاولة سبر الغور ذلك الذي يشبه الإجماع لدى كثرة غالبة من الأخوة العرب من غير المصريين في رفضهم القاطع أن تكون أحداث الثالث من يوليو تعبيرا ما عن الإرادة الشعبية.

كتب، مثلا، أحد الأصدقاء، على تويتر:
"ألا يفهم متظاهرو #التحرير أن الجو الذي جعلهم يخرجون للميادين ويرددون الشعارات ملء أفواههم دون خوف هو الديمقراطية التي يغتالونها ببلاهة؟"

وكتب زميل سابق:
"ما حدث بمصر يعطينا دروسا في أساليب حشد الغوغاء، وخطورة الإعلام، والمال السياسي، والأهم حقيقة أن الجيش في مصر هو الدولة ومصدر السلطات."

 وثمة أمثلة عديدة غير ما أسلفت. 

والسؤال إذن: لماذا هلل وتهلل هؤلاء في ١١ فبراير لدى إسقاط مبارك ولم يبادروا للفعل ذاته لدى إسقاط مرسي في الثالث من يوليو، رغم أنهما كليهما تعبير عن الإرادة الشعبية الغالبة (فلم يكن كل المصريين ضد مبارك في الأولى ولا مرسي في الثانية)؟

حاولت الإجابة من أيام عبر التمييز بين الديمقراطية كفكرة والديمقراطية كفعل. وذهبت إلى أن أغلب أخواننا غير المصريين تركز بصرهم على الفكرة، أي على مبدأ أن من أتى بالانتخابات لا يذهب بغيرها، بينما يراها المصريون الذين عاشوا حقبة مرسي باعتبارها لحظة التقاء الفكرة/المبدأ بالواقع، واعتمال تلك الفكرة في الواقع اليومي. ومن ثم، فمفهوم الديمقراطية لدى ملايين المصريين الذين خرجوا لرفض د. مرسي أثرت فيه ملابسات الحياة اليومية (من إدارة لشؤون البلاد وتوفير الأساسيات مثل الكهرباء والبنزين) مما لا يحوزه نظر من يعيش خارج الظرف المصري.

ولكن لما بدا ما بدا من رفض للإرادة الشعبية الغالبة (لكل من أبقى عينيه مفتوحتين خلال الأسبوع الماضي)، فسأقترح هنا سببين آخرين كامنين لرفض كثير من العرب غير المصريين إرادة جموع المصريين هـذه المرة والإساءة لها والاستعلاء عليها. الأول أن الحفاوة بإسقاط مبارك في فبراير ٢٠١١ تعلقت بمبارك أكثر مما تعلقت بالإرادة الشعبية للمصريين.  ففضلا عن كراهية المصريين له، كما تجلت في النهاية في الإطاحة به، كان الرئيس المصري السابق محط كراهية الشارع العربي لأسباب عديدة. منها خاصة موقفه من حصار غزة (والهجوم الإسرائيلي عليها في ٢٠٠٩) واعتباره في نظر الكثيرين (ولأسباب معقولة) أحد المنفذين الأساسيين للسياسية الأميركية في المنطقة.

كان ثمة ائتلاف من الكارهين إذن لمبارك. فلما ثار المصريون ضده بارك الكارهون إسقاط من قامت ضده الثورة وليس بالضرورة عزيمة وإرادة من ثار.  وتبدى ذلك حين تجلت تلك العزيمة وتلك الإرادة مجددا خلال أحداث الأسبوع المنصرم في رفض جر البلاد لحرب أهلية، ورفض الفقر المدقع في القدرة على إدارة البلاد، ورفض العودة لطرائق حكم من العصور الوسطى. فما كان من ائتلاف كارهي مبارك إلا أن نعتوا المصريين بالغوغاء، وغياب الإرادة (يحركهم المال وشاشات التليفزيون) وسلوكهم بالبلاهة.

فإن كان الأمر متعلقا بمبارك في الماضي، ولما لم يعد مبارك جزءا من المشهد الآن، فما سبب تطوع كثيرين بنقد منحى الإرادة الشعبية المصرية الآن؟ أحد جذور ذلك في ظني أن الكثيرين متشربون بالخطاب (والمشروع) الإسلامي، والذي يرى غاية الحكم في إرضاء الرب بدلا من الشعب، أو على حساب الأخير. فكثير من هؤلاء نما وعيه السياسي ضمن أحلام ووعود مشروع إسلامي للحكم، ولم يتحملوا أن يتضعضع بنيانهم هكذا على عجل، كهياكل المومياوات، أمام أول هبة شعبية.

ومن ثم سيسمونه انقلابا. وهذا شأنهم. أما لماذا يميل المحللون الأجانب لمفهوم الانقلاب فهذا حديث لمداخلة أخرى.

أغلب المصريون فرحون، وفرحهم مستحق.  فإن أسماه البعض انقلابا، فغيرهم كثر يدركه كتعبير ثري عن إرادتنا الجمعية. فالأسماء ليست الأشياء. واكتمال تبلور تلك الإرادة لن يظهر إلا حين يترسخ مسار التحول الديمقراطي في مصر باتجاه وطن يرحب كل المصريين بغير تمييز من أي نوع.  وخلال ذلك الحين، إن أسموه "انقلابا" فليكن. وبه نباهي العالم.


الاثنين، 20 أغسطس، 2012

عدالة الخطاب (أو في التحول من لغة الجماعة للغة الحزب الحاكم)


من واجبات الرئيس مرسي تجاه المصريين غير المسلمين أن يخاطبهم بخطاب يفهمونه ويعزز شعورهم بانتمائهم للوطن وللجماعة الوطنية الفاعلة.

وقد بدا من الرئيس غير ذلك في كل خطاباته الكبرى تقريبا -- خطابه الرئاسي الأول في جامعة القاهرة؛ خطابه في الأزهر بعد ساعات من إعلان التغييرات في قيادة الجيش، وخطابه في مسجد عمر و بن العاص بعد ذلك بأيام.  في تلك الخطابات، وبخاصة آخرها في مسجد ابن العاص، اعتمد بيان الرئيس، من حيث الصور والاقتباسات والإشارات التاريخية، على وجه الحصر تقريبا، على محتوى إسلامي.  فالاقتباسات الأخلاقية انحصرت في القرآن الكريم؛ والاستدلالات التاريخية تأتي من تاريخ المسلمين، من السلف والصحابة.

ويلقي ذلك النوع من الخطاب بضوء إيجابي على شخص السيد مرسي: فهو يتسق مع تربيته الإسلامية وطول عهده بجماعة "الأخوان المسلمون."  ومن ثم فهو مصبوغ بهـذا الخطاب، وربما لا يجيد غيره. خطابه، فيما يبدو، انعكاس أمين لشخصيته وتربيته. ومن الخير أن يكون لمصر رئيس يتسق خطابه مع بوصلته الأخلاقية. فيعرفه الناس على حاله، فينتخبونه مجددا إن استحسنوا ما عرفوا منه، أو يأتون بغيره في الانتخابات التالية.

ولكن ثمة بعدا سالبا لهـذا الخطاب يتعلق بمسؤوليات السيد مرسي كرئيس للجمهورية. ويتمثل ذلك في أمرين.  أولهما أن "المرجعية الحصرية" للإسلام (بيانا وتاريخا) في خطابات الرئيس المصري قد تنطوي على افتئات على قيمتي العدالة والمواطنة التي يسعى الرئيس، بإخلاص فيما يبدو، لترسيخهما.  فمن بين صور العدالة أن يكون خطاب المسؤولين الكبار في الدولة مفهوما وملهما ودالا لكل المواطنين على السواء، وبالمقدار ذاته.  وإذ أنه ليس من مطلوبات المواطنة  في مصر أن يقف المصري على تاريخ الإسلام والمسلمين، فإنه لا يتسق مع العدالة تجاه المصريين أن تكون خطابات رئيسهم أيسر فهما وأكثر إلهاما للبعض دون البعض (بغض النظر عن نسبة هؤلاء أو أولئك في مكونات المجتمع).

ففي أواخر الربع الثالث من خطابه بمسجد عمرو بن العاص يقول السيد مرسي"وتعلمون سهيل بن عمرو ... داهية السياسة ..."، بغير أن يلحظ أنه وإن كان  يخاطب الحضور في المسجد فإنه بوظيفته رئيسا للجمهورية إنما يخاطب دوما عموم مواطني بلده.  فإن كان بعض المصريين يعرفون سهيل بن عمرو، وبعضهم لا يعرفه، فذلك سبب كاف لأن تكون استدلالات الرئيس التاريخية، من باب العدالة بين عموم المواطنين، مفهومة وملهمة ودالة للجميع بغير تمييز.

وأما الوجه السلبي الآخر في خطاب الرئيس أن المرجعية الحصرية للإسلام في بيانه قد تنطوي على تمييز  طفيف ضد غير المسلمين قد يترجمه غير العقلاء إلى تمييز صارخ أو اضطهاد. فإلصاق أفضل الخصال (كالمروءة والشهامة والعدل وطلب العلم) بمسلمين من السلف والصحابة (كما فعل الرئيس حين تحدث عن صفات علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب في كلمة مسجد عمرو بن العاص) وإغفال ذكر تلك الفضائل مقرونة بغير المسلمين قد يؤدي لتعزيز التصور المتطرف لدى البعض بأن غير المسلمين لا يمكن أن يحوزوا الخصال الفاضلة، أخلاقيا وإنسانيا. وقد يتحول ذلك، في أسوأ الأحوال، لعنف ضد الآخر غير المسلم.

وليس الرئيس مرسي وحده من غاب انتباهه عما ينطوي عليه خطاب المرجعية الحصرية. فنائب رئيس حزب الحرية والعدالة (الحزب الحاكم الذي رشح الرئيس الحالي) يقول في "تغريدة" على موقع "توتير" ليست بريئة من التناقض:
أخطر ما دمره نظام مبارك هو النفوس والأخلاق وعلاج ذلك يتم بالقرآن ويحتاج الى صبر ومثابرة وقدوة حسنة يقدمها أهل القرآن ورجال الإسلام والمسيحية.

ويبدو في الشطر الأول من التغريدة أنه فات إدارك د. العريان أن من بين المتلقين والمهتمين (وهم عموم المصرين باعتبار موقعه في الحزب الحاكم للبلاد) من يدينون بغير الإسلام، فيدعو الجميع لعلاج نفوسهم وأخلاقهم بالقرآن. ثم يحاول المسؤول السياسي تدارك ما فاته في الشطر الثاني فيتحدث عن القدوة الحسنة من "رجال الإسلام والمسيحية."

وليس يغيب عن وعي كاتب السطور أن حزب الحرية والعدالة، كباقي الأحزاب والمؤسسات في مصر، حديث عهد بالديمقراطية وأنه لا يزال في طور النضوج. وأغلب الظن أن خطاب الحزب وقادته سيتطور مع مر الأعوام. ولكن بالمقابل، ليس من العدل أن يُطلب من غير المسلمين أن ينتظروا على حقهم في "عدالة الخطاب" لأعوام، خاصة مع الاحتقان القائم، والذي يتحول بين الفينة والأخرى لمواجهات دموية هنا أو هناك.

التحدي إذن أمام الحزب الحاكم ومسؤوليه الكبار (بل وكل المنتمين إليه) أن يتنبهوا لمسؤوليات عدالة الخطاب التي أنتجها تحولهم من جماعة (إسلامية/ مضطهدة/سرية) إلى حزب حاكم. فالمرجعية الإسلامية للجماعة (من حيث العقيدة والمنظومة الأخلاقية) يجب ألا تنعكس في "مرجعية حصرية" للإسلام وتاريخه في خطاب وبيان مسؤولي الحزب. كما أن عالمية وإنسانية الخطاب لا تتناقض بالضرورة مع المرجعية الإسلامية أخلاقيا وعقيديا، كما سيقول المنتمون للحزب والجماعة. وربما يكون من دلائل النضوج السياسي لحزب الحرية والعدالة استلهامه لخطاب إنساني أشمل، يقتبس من غاندي والبابا شنودة الثالث ومارتن لوثر كنج كما يقتبس من الصحابة والخلفاء الراشدين.

الجمعة، 17 أغسطس، 2012

الليلة والبارحة في تغييرات مرسي


إلى التاريخ توجّهت أبصارٌ كُثُر لفهم ما فعل محمد مرسي عصر الثاني عشر من أغسطس/آب. فسارع البعض (مثل قناة "سكاي نيوز عربية" وغيرها) إلى تشبيه التغييرات في قيادة المؤسسة العسكرية التي أجراها الرئيس المصري بما فعل السادات عام 1971، حين تخلص بُعَيد تسلّمه السلطة، وبغير إراقة دماء، من أشخاص كانوا ذوي نفوذ في عهد سلفه.  وأوغل آخرون في الماضي بحثا عن مكافئ تاريخي لتغييرات مرسي. فأشار الأكاديمي سعد الدين إبراهيم إلى نكبة البرامكة (803) ومذبحة القلعة (1811)، وفيهما تخلص الخليفة هارون الرشيد ومحمد علي باشا، على التوالي، من تهديدات خصوم محتملين أو معلنين.

ولا مفر من الالتجاء للماضي لتفسير الحاضر. فالأحداث الكبرى بالضرورة متعددة العوامل ومتفاعلتُها، فضلا عن استحالة الوقوف يقينا على بعض مجرياتها، والتي تظل كامنة لأزمان في الصدور أو في مكتوم الوثائق.

مثلا، فيما يتعلق بتغييرات مرسي، ليس ممكنا في ظل الراوايات المتضاربة إلا التخمين بشأن التنسيق بين الرئيس وإدارة المجلس العسكري حول قرارات إحالة حسين طنطاوي وسامي عنان للتقاعد. هل اتخذ الرئيس قراره بالتشاور مع المجلس كله أم فقط مع هؤلاء الذين قرر ترقيتهم لإدارة الجيش ووحداته؟ أم أن نية ورغبة التغيير أتت من قيادات من داخل الجيش/المجلس العسكري ممن ساءتهم إدارة المرحلة الانتقالية خلال العام والنصف الماضيين؟ وما سبب الانصياع الكامل، والذي يكاد يكون مريبا، لقرارت مرسي، رغم الاعتقاد الشائع، والشواهد عليه، بأن "العسكر" لم يرغبوا أن يسلموا السلطة ويرحلوا في صمت؟ لهذه وغيرها من الأسئلة يكاد يستحيل توفير إجابات يقينية. فلا عجب إذن أن تبحث الأدمغة عن سوابق من التاريخ لتفسير الظواهر المعقدة في سلوك البشر، أفرادا أو جماعات، مما يستحيل تفسيره/فهمه إلا عبر تلك الحيلة.

وتخيُّر السوابق التاريخية – حين يحسن عقد التشابه بين الماضي والحاضر – لا يعين فحسب على فهم الحاضر، وإنما، وهذا أهم، على تقرير كيفية التعامل/ التفاعل مع مجرياته، لدى الأفراد والجماعات على السواء. والتدقيق في اختيار السابقة التاريخية لتفسير تغير في الحاضر، من ثمّ، أمر ذو أهمية بالغة لأنه قد يؤدي إلى قرار بإعلان حرب أو التأثير في أراء ساسة فاعلين على الساحة الدولية تجاه قضية أو خلاف.

فحين اكتشفت طائرات التجسس الأميركية في أكتوبر 1962 أن الاتحاد السوفياتي أدخل سرا صواريخ نووية إلى كوبا، الجارة الجنوبية (والشيوعية) للولايات المتحدة، كان على الرئيس كنيدي أن يتبني واحدة من سابقتين تاريخيتين ليحدد سلوكه تجاه التهديد السوفياتي. كان رأي جنرالاته أنه كان لابد من غزو كوبا لأن تلك الصواريخ، والتي كانت قيد التجميع وتوشك على الجهوزية للإطلاق، كانت تضع العاصمة الأميركية وأغلب المدن الأميركية الكبرى في مرماها. وذهب الجنرالات إلى أن أي تنازل أو توسط في الموقف الأميركي تجاه الاتحاد السوفياتي سيكون بمثابة استرضاء (appeasement) كذلك الذي حصل عليه هتلر من القوى الغربية، وخاصة بريطانيا، أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، ولم يزده ذلك إلا تجرؤا ونهما، لينتهى الأمر إلى كارثة الحرب العالمية الثانية بعد ذلك بنحو 6 سنوات.

وأما السابقة التاريخية الأخرى، والتي استدعاها الرئيس كنيدي ذاته وأخوه روبرت، وكان مستشارا للأمن القومي، فهو أن الحروب الكبرى، كالحرب العالمية الأولى، قد تنشب لا لظروف "موضوعية" وإنما نتيجة من الخوف المتبادل بين أطراف دفعها التصعيد إلى الحرب ولم تكن راغبة فيها، بل وكانت تود تحاشيها (وكان كنيدي الرئيس قرأ، ويكثر من الاقتباس، من كتاب صدر ذلك العام عن تاريخ الحرب العالمية الأولى، "مدافع أغسطس" للمؤلفة باربرا تَشمان).

كان الخيار إذن أمام كنيدي: أهي حرب عالمية ثالثة، نووية يمكن تحاشيها حتى لا تتكرر مأساة الحرب الأولى؟ أم هو غزو محتم لكوبا، حتى لو أدى ذلك لمواجهة مع الاتحاد السوفياتي رغم سوئها قد تكون ذات تبعات أخف مما لو قُدمت تنازلات للسوفيات تجعلهم أكثر نهما، وخطورة، كما كان مع هتلر؟ وانتهى الأمر إلى تبني الخيار الأول، وبتنازلات سرية للسوفيات بإزالة الصواريخ النووية الأميركية في تركيا خلال أمد محدد، وبغير أن يؤدي ذلك إلى خلق/تعزيز نوازع هتلرية لدى القادة الروس. وتحاشى الأميركان والسوفيات، والعالم، حربا كبرى أخرى.

المكافئ التاريخي إذن منظار نختاره لتبسيط عملية اتخاذ القرار في الحاضر. وتبدأ تلك العملية من لحظة تفضيل مكافئ تاريخي على سواه. والمقصود أنه إن كان الأمر حقا "ما أشبه الليلة بالبارحة" في شؤون التجمع البشري، فإن علينا أن نتأنّى في اختيار "بارحة" ذات وجاهة.

والأمر كذلك، ثمة ما يدعو لمساءلة دقة/وجاهة السوابق التاريخية التي استدعى الكتاب والمحللون. فثمة تمايز جوهري في السياق. فمحمد مرسي رئيس منتخب، وشرعية قراراته (وإن اختلفنا حول صلاحيتها) مؤسسة على شرعية توليه السلطة، خاصة إذا اتسقت تلك القرارات مع ممارسات الحكم الرشيد التي تعارفت عليها الأمم. وقد يُقال إن شرعية تولي الرشيد في القرن التاسع أو محمد علي في القرن التاسع عشر كانت قائمة، وإن اختلفت أدواتها عن أدوات هذا الزمان. ولكن ما قصدت أن أقول هو أن الرئيس مرسي، وإن بدا أنه يعطل خطرا محتملا على الرئاسة، فإنه لا يفعل ذلك حفاظا على حكم أسرة مقابل أخرى، أو طبقة نخبة مقابل أخرى، وإنما يفعله اتساقا، فيما يبدو، مع عرف انصياع المؤسسة العسكري للإدارة المدنية – العرف الذي انتشر خلال القرنين الماضيين، وتسارع خلال العقود الأربعة الأخيرة، في ربوع العالم.

ولو كانت تغييرات مرسي انحصرت في تغيير قيادات الجيش لكان ذلك سببا لتعزيز مخاوف المتخوفين من تغوّل سلطات الرئيس. ولكن قرارات ذلك اليوم من أغسطس شملت أيضا تعيين قاض، محمود مكي، نائبا للرئيس. وهو معروف بالنزاهة واستقلال الرأي. وهذا يقوي الظن بأن تغييرات مرسي كانت ترمي إلى إصلاح وترتيب مؤسسي لحكم أرشد أكثر منها محاولة لإحكام سيطرة قبضة "الأخوان المسلمون."

ومآل ما تقدم أنك تجد كتابا يشيرون بغير رويّة كافية، لسوابق تاريخية قد تكون مضللة لأنها ترسم صورة ذهنية عن المشهد السياسي قد تُزهِّد عموم الناس في السياسة. بينما الوقائع على الأرض، حتى الآن، تشي بجهود محمودة لإصلاح مؤسسي واسع (منها نقل التفتيش القضائي من الجهاز التنفيذي، الممثَّل بوزارة العدل، إلى المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما وصفه حقوقي بارز بأنه "أهم إنجاز حققته الثورة [المصرية] حتى الآن").