الأحد، 17 أغسطس، 2008

مواقع الإنترنت بين التشبيك الاجتماعي والذكاء الجمعي

"فيس بوك" ليس ذروة الإنترنت:
مواقع الإنترنت بين التشبيك الاجتماعي والذكاء الجمعي

من بين ما خلب لب لبنانيين كثر مؤخرا موقع الإنترنت "فيس بوك" Facebook، الذي ييسر التواصل بين الأصدقاء القدامى أو التعرف على جُدد. وللحق، ليس اللبنانيون وحدهم من مسّهم الولع بما أطلق البعض عليه "ظاهرة الفيس بوك". ففي مارس/آذار الماضي بلغ عدد مستخدمي الموقع – الذي تأسس في فبراير/شباط 2004 – نحو 50 مليونا. وتقدر قيمة الشركة الآن عند حوالي 15 مليار دولارا، أي ما يكافئ نظريا ضعف التقييم السوقي لأسهم شركة "جنرال موتورز" للسيارات وفق أرقام أواخر يونيو/حزيران الماضي (وهذا تقييم نظري لأن "فيس بوك" شركة خاصة، أي ليس مدرجا في البورصة وليست له أسهم متداولة).

ويُعزى نجاح "فيس بوك" عادة إلى تمكنه من توفير وسيط للتواصل الاجتماعي غير مسبوق في حقبة الإنترنت. فعبر الـ "فيس بوك" يستطيع المرء أن يتبادل الرسائل، كلماتٍ أو صورا، مع أفراد أو جماعات، وأن يطلع على "سجل" متجدد لما يقوم به الزملاء والمعارف، وأن ينشئ أو ينضم للمجموعات التي تركز على هدف واحد، سواءا الدعوة للحفاظ على أحد الحيوانات المعرضة للانقراض أو الإجماع على كراهية أستاذ جامعي معين. ومن ثم فربما يكون أدق تعريف لـ "فيس بوك" أنه جمّع تقنيات التواصل الإنترنتي السابقة عليه (البريد الإلكتروني، والقوائم البريدية، والمنتديات، بل والمدونات) في حزمة واحدة، سهل استخدامها عبر نافذة متصفح الإنترنت.

وليس الـ "فيس بوك" وحيدا في ميدان ما يُسمى مواقع "التشبيك الاجتماعي" (social networking). فهناك مئات المواقع المنافسة، منها MySpace.com، Ning.com، Orkut.com، وويندوز لايف سبيسز.

أثر التشبيك
وتقوم هذه المواقع على ما يعرف بـ "أثر التشبيك" (network effect) أو "قانون متكافيه" (Metcalfe’s Law). ويذهب هذا القانون إلى أن قيمة أي شبكة للتواصل (اجتماعية أو هاتفية أو إنترنتية أو غيرها) تنمو باطّراد يكافئ ضعف الزيادة عدد الأفراد الذين يستخدمونها. فمثلا، لو أن لدينا شخصا واحدا فقط يستخدم البريد الإلكتروني فإن تلك التقنية الجديدة لن تؤتي أي ثمار. ويختلف الحال لو زاد عدد المستخدمين إلى 5 أو 10 أو مليون. فكلما زاد عدد مستخدمي التقنية الجديدة، زادت الفوائد المتحققة من استخدامها، إذ سيكون ذلك بمثابة معيار موحد لإجراء نوع معين من التعاملات، بدلا من استخدام معايير مختلفة (الفاكس والبريد الإلكتروني). وهذا ما يعنيه أثر التشبيك.

ولعل هذا يفسر نجاح "فيس بوك" ورفاقه. ففي المحصلة، ما يميز "فيس بوك" ليس خدمة بريده الإلكتروني أو خدمة النقاشات العامة (فكلاهما موجود لدى مواقع أخرى منذ أعوام طويلة)، وإنما العدد الهائل من المستخدمين الذين يتراسلون عبر البريد الإلكتروني ويتبادلون الرأي، أو يتجادلون، في منتديات النقاش لـ "فيس بوك". ولاجتذاب الجموع الغفيرة اللازمة لذلك، عمل مطورو "فيس بوك" على جعل واجهة المستخدم بسيطة، مع إمكانية أن يضيف المستخدم عشرات أو مئات البرمجيات الصغيرة التي تجعله أكثر ارتباطا بالموقع (لتبادل الصور وملفات الفيديو والرسم والألعاب الإنترنتية وغيرها). وكلما زاد عاد المستخدمين، تحسنت فرص اجتذاب المزيد منهم، وهكذا دواليك. فلو أن لدينا مثلا مجموعة للمستخدمين من مدينة صيدا، فإن ذلك يمثل حافزا لإقبال المزيد من الصيداويين للاشتراك بهذه المجموعة. وتؤدي زيادة عدد المشتركين إلى جعل المجموعة أكثر قوة واجتذابا للمزيد، لأن كثرة أفرادها يرفع احتمال أن يعثر المشتركون الجدد على معارف أو أصدقاء لهم ضمن المجموعة.

الشبكات الكبيرة .. مشاكلها كثيرة
بيد أن الباحثة دانا بويد (Danah Boyd) من جامعة كاليفورنيا-بيركلي أثارت أسئلة جديدة في دراسات منشورة العام الماضي حول العلاقة بين مفهوم أثر التشبيك (أو قانون متكافيه) ومواقع التشبيك الاجتماعي. ففي رأيها أنه لدى الحديث عن تلك المواقع، ليست أعداد المستخدمين وحدها كافية للدلالة على قوة الشبكة ونجاحها. وإنما يجب أن يؤخذ في الاعتبار القيمة التي يضيفها كل مستخدم لتلك الشبكة. فمثلا، استخدام أفراد كُثُر لبرنامج "ورد" (Word) لمعالجة النصوص يتسق مع أثر التشبيك (أو قانون متكافيه) لأنه ييسر قراءة وتبادل الملفات بين عدد أكبر من الأفراد، ومن ثم يوفر الوقت المستغرق في سؤال الطرف الثاني (المستقبِل) عن البرنامج الذي يستخدمه، وما إذا كان متوافقا مع برنامج "ورد". ويصدق الأمر ذاته على جهاز "الفاكس". فذلك الجهاز ييسر تبادل الملفات. وكلما زاد عدد مستخدميه ساهم ذلك في توفير المزيد من الوقت ورفع الإنتاجية (إذ أن هؤلاء الذين يملكون الفاكس لا يستخدمونه لتبادل النكات).

ويختلف ذلك، برأي الباحثة بويد، عما يحدث في أغلب مواقع التشبيك الاجتماعي مثل "فيس بوك" و"ماي سبيس". فنظريا، تتقوى تلك الشبكات وتصير أكثر جاذبية للمزيد كلما التحق بها أفراد جدد. ولكن الواقع لا يتسق كلية مع تلك الفرضية. فما الذي يضيفه كل مستخدم في تلك الشبكة؟ باستثناء الحالات التي يُستخدم فيها "فيس بوك" للتواصل بين أفراد العائلة الواحدة الذين شتتهم الجغرافيا، ليس واضحا كيف ترتفع إنتاجية الأفراد أو الشبكة من تبادل الرسائل أوالصور أو النكات أو إنشاء مجموعة إنترنتية لمحبي الممثل المشهور دريد لحام، أو إخبار 25 ألف شخص بدلا من 25 أن فلانا فاز بودّ فلانة وأنهما يزمعان الزواج.

وتَخلُص بويد إلى أنه في الحالات التي لا يضيف فيها الأفراد قيمة للشبكة، فإن كبر حجمها يكون وجه ضعف وليس وجه قوة. ففي تلك الحالة، كلما زاد عدد أفراد الشبكة، كلما ارتفعت احتمالات الرسائل غير المرغوبة، والمضايقات، والدعوات والرسائل الآتية من غرباء. وينتهي الأمر بأن ينصرف الأفراد عن تلك المواقع حين تصبح، بمضايقاتها وإلهاءاتها والوقت المُنفق فيها، عبئا ثقيلا وليس وسيلة للتواصل الاجتماعي. ولهذه الأسباب يُعزى أفول مواقع تشبيك اجتماعي كانت يوما ملء الأبصار مثل "فرندستر" (Friendster) و"الدرجات الست" (Six Degrees).

حقبة الذكاء الجمعي؟
وبينما لا يزال مستقبل مواقع "التشبيك" محل جدل، فإن ثمة خطا تطوريا آخر سلكته مواقع إنترنت عديدة ناجحة مثل أمازون (Amazon.com) وإي باي (eBay). وفيه لا تكتفي المواقع بإتاحة فرص التشبيك الاجتماعي بين المستخدمين وإنما تعمل على الاستفادة من ذكائهم الجمعي.

وربما يكون موقع أمازون – الذي أنشئ عام 1994 – أول من اتخذ هذا التوجه. فمنذ البدايات الأولى سعى جيف بيزوس – مؤسس ورئيس أمازون – لجعل مساهمات مستخدمي الموقع أكثر من مجرد حيلة لاجتذابهم مجددا لمتجر الكتب الإنترنتي، وإنما لتمييز أمازون عن المنافسة من خلال المحتوى الذي يقدمه القراء. وكان من أولى تلك الإضافات أن يُسمح للقراء بأن يضيفوا آراءهم وتعليقاتهم حول الكتب التي يشترونها عبر الموقع. ومن ثم يطلع المشترون الجدد على مدى أوسع من الآراء حول الكتب قبل شرائها. ومن بين ما أتاح أمازون أيضا إمكانية التعرف على أنماط سلوك المستخدمين الآخرين (بغير تحديد أسمائهم بالطبع) حين يشترون ذلك الكتاب الشعري أو تلك الرواية. فمثلا لو أنك اشتريت كتابا عن الحرب العالمية الثانية، سيخبرك الموقع أن المستخدمين الذين اشتروا هذا الكتاب، اشتروا أيضا تلك الكتب، ويعطيك قائمة بالكتب ونسبة شراء كل منها. كذلك، حين تنشئ قائمة بكتبك المفضلة، سيخبرك الموقع بأن المستخدمين الذي وضعوا أيا من تلك الكتب على قوائمهم المفضلة، أضافوا أيضا كتب كذا وكذا. ولو أنك حددت كتابا أو مجلة ليدخل قائمة المتابعة لديك (watch list)، لتترقب التغير في سعره مثلا، سيخبرك الموقع بالكتب في قوائم المتابعة للمستخدمين الآخرين الذين يشتركون معك في الاهتمام بكتاب أو أكثر.

والمقصود أن مطوري أمازون راعوا أن يستفيد كل مستخدم للموقع من الذكاء الجمعي لكل المستخدمين. وتكون المحصلة رضا أكبر لدى هؤلاء المستخدمين عن خدمات الموقع.

وقد ساهمت هذه الخواص الفريدة في تواصل إقبال المستخدمين على أمازون رغم المنافسة الشديدة من منافسيه الذين يملكون شبكات واسعة لتوزيع الكتب في الولايات المتحدة (مثل بارنز آند نوبل وبوردرز). وعندما توسع أمازون في تقديم منتجات غير الكتب (مثل الإلكترونيات والأدوات المنزلية وغيرها)، تواصل الاعتماد على مفهوم الاستفادة من الذكاء الجمعي للمستخدمين. فمن يشتري حاسوبا عبر أمازون سيجد قائمة بمنتجات مكملة (للحماية من الفيروسات أو لحماية شاشة الحاسوب وغيرها) في انتظاره، ليختار منها ما يريد. ويصحب كل منتج تعليقات وآراء عشرات أو مئات المستخدمين عن الحسن والرديء فيها.

ومن أشهر من نجح في الاستفادة من الذكاء الجمعي لمستخدميه أيضا موقع "إي باي". بدأ الموقع العمل أواخر 1995 ليكون وسيطا بين هؤلاء الذين يرغبون في بيع أشياء لم يعودوا يرغبون فيها – كساعة أو حاسوب أو رف أحذية – وهؤلاء الذين يرغبون في شراء تلك الأشياء. ولكن سرعان ما واجهت بيير أوميديار (مؤسس "إي باي") مشكلة: كيف سيثق المشترون بأن البائعين سيرسلون الأشياء والأمتعة حسب الاتفاق متى حصلوا على النقود؟ وكان الحل ان ابتكر أوميديار ورفاقه نظام التقييم (rating system)، وفيه يقيم كل مشترِ البائع بعض إجراء التعامل. وتظهر محصلة تقييمات الآخرين بجوار اسم كل بائع ومنتجاته، وهو لا يستطيع أن يغير هذا التقييم أو يؤثر فيه سلبا أو إيجابا. ومن ثم فإن هذا النظام المبتكر ساعد تدريجيا وبغير إدارة مركزية له على طرد غير الأمناء خارج منظومة "إي باي". إذ من سيُقبل على شراء سلعة من بائع تقييمه الكلي 50% حين يكون هناك بائعون تقييمهم 99%؟


المحررون يمتنعون
وقد انتقلت ممارسات الاستفادة من الذكاء الجمعي للمستخدمين إلى مواقع الصحف أيضا. ففي الماضي كان قراء النسخ الإنترنتية للصحف يجدون إلى جانب المقال المعروض قائمة بـ "المقالات ذات الصلة" أو "المقالات المتعلقة". وكان المحررون هم من يقرر أي المقالات يدخل تلك القائمة. أما الآن، فنادرا ما تجد هذه القوائم (أو ستجدها أسفل الصفحة)، وستجد بديلا عنها قوائم أخرى مثل: أكثر المقالات إرسالا بالبريد الإلكتروني؛ أكثر المقالا التي حظيت بتعليق وروابط إليها عبر المدونات؛ أو أكثر المقالات التي بُحث عنها، أو عن كلمات فيها، عبر محركات البحث مثل غوغل وياهو. هذا ما تفعل الآن صحف مثل "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست". ولو أن لديك حسابا (مجانيا) لدى موقع "نيو يورك تايمز" وحفظت أحد المقالات عليه، فستبزغ أمامك رسالة لا تختلف عما تراه على "أمازون": "القراء الذي حفظوا هذا المقال، حفظوا أيضا هذه المقالات". ويتبع الرسالة قائمة بمقالات من الصحيفة واسعة الانتشار.

وثمة أمثلة كثيرة أخرى من ميدان تقنيات المعلومات على الاستفادة من الذكاء الجمعي. فعلى موقعي Digg.com وDelicious.com يعطي المستخدمون درجة أو تقييما للمقالات التي تصادفهم على الإنترنت. وتحظى المقالات الأكثر قراءة وتقييما بالصدارة على هذين الموقعين، إلى أن تحل محلها أخرى. ثم إن هناك بالطبع حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة (Free and open source software) التي يجتمع فيها المبرمجون، تطوعا، لإنجاز مشروعات برمجية ضخمة. ومن أشهر منتجات هذه الحركة نظام تشغيل لينِكس ومتصفح فايرفوكس. بل إن محرك البحث غوغل ذاته يستفيد من الذكاء الجمعي للمستخدمين. فتقييم الصفحات في محرك غوغل (والذي يتحدد بناءا عليه ما إذا كانت تلك الصفحة ستأتي في صدر نتائج محرك البحث أو في ذيلها) يعتمد على الروابط التي ينشئها المستخدمون. فكلما زاد عدد الروابط، وكذا تقييم الصفحات التي خرجت منها هذه الروابط، كلما زادت تقييم الصفحات التي تؤدي إليها تلك الروابط، ومن ثم زادت فرصها في الظهور في أوائل صفحات النتائج على غوغل.

ويجمع بين تلك الأمثلة – أمازون وإي باي وحركة البرمجيات الحرة والمفتوحة وغوغل – أن نجاحها لم يعتمد فحسب على عدد الأفراد المشتركين فيها، وإنما على قيمة ما، مهما صَغرت، يقدمها كل فرد في الشبكة، فيرتفع رصيدها، أو رصيد كل أفرادها على أثر ذلك. ففي أحدها يقرأ المستخدم كتابا وينبئ الآخرين عن جودته. وفي أخرى يقرأ المستخدم مقالا، ويثني عليه، فيعرف الآخرين بذلك. وفي مثال ثالث، يعثر مستخدم على موقع هام، فيضيف رابطا إليه، فيرفع تقييمه لدى محركات البحث ليستفيد منه الآخرون. ويبدو أن ذلك يختلف عن موجة مواقع التشبيك الاجتماعي التي تبني مجدها على الأعداد فحسب، ودون النظر لما تقدم تلك الأعداد الغفيرة في استخدامها للشبكة. وتلك المواقع، كما ذكرت مجلة "إكونومست" في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، غالبا ما تثبت الأيام أن لا جذور لها؛ فهي تقليعة أو "موضة" لن تلبث أن تذوي لتفسح الطريق لغيرها.


وليد الشوبكي

نُشر المقال بصحيفة الـســفير اللبنانية، في الرابع عشر من أغسطس/آب 2008.