الخميس، 4 يوليو 2013

"انقلاب" نباهي به العالم

من حق كل منا أن يخطئ التقدير أو يتلعثم في البيان. ولكن يثير الانتباه ويدعو لمحاولة سبر الغور ذلك الذي يشبه الإجماع لدى كثرة غالبة من الأخوة العرب من غير المصريين في رفضهم القاطع أن تكون أحداث الثالث من يوليو تعبيرا ما عن الإرادة الشعبية.

كتب، مثلا، أحد الأصدقاء، على تويتر:
"ألا يفهم متظاهرو #التحرير أن الجو الذي جعلهم يخرجون للميادين ويرددون الشعارات ملء أفواههم دون خوف هو الديمقراطية التي يغتالونها ببلاهة؟"

وكتب زميل سابق:
"ما حدث بمصر يعطينا دروسا في أساليب حشد الغوغاء، وخطورة الإعلام، والمال السياسي، والأهم حقيقة أن الجيش في مصر هو الدولة ومصدر السلطات."

 وثمة أمثلة عديدة غير ما أسلفت. 

والسؤال إذن: لماذا هلل وتهلل هؤلاء في ١١ فبراير لدى إسقاط مبارك ولم يبادروا للفعل ذاته لدى إسقاط مرسي في الثالث من يوليو، رغم أنهما كليهما تعبير عن الإرادة الشعبية الغالبة (فلم يكن كل المصريين ضد مبارك في الأولى ولا مرسي في الثانية)؟

حاولت الإجابة من أيام عبر التمييز بين الديمقراطية كفكرة والديمقراطية كفعل. وذهبت إلى أن أغلب أخواننا غير المصريين تركز بصرهم على الفكرة، أي على مبدأ أن من أتى بالانتخابات لا يذهب بغيرها، بينما يراها المصريون الذين عاشوا حقبة مرسي باعتبارها لحظة التقاء الفكرة/المبدأ بالواقع، واعتمال تلك الفكرة في الواقع اليومي. ومن ثم، فمفهوم الديمقراطية لدى ملايين المصريين الذين خرجوا لرفض د. مرسي أثرت فيه ملابسات الحياة اليومية (من إدارة لشؤون البلاد وتوفير الأساسيات مثل الكهرباء والبنزين) مما لا يحوزه نظر من يعيش خارج الظرف المصري.

ولكن لما بدا ما بدا من رفض للإرادة الشعبية الغالبة (لكل من أبقى عينيه مفتوحتين خلال الأسبوع الماضي)، فسأقترح هنا سببين آخرين كامنين لرفض كثير من العرب غير المصريين إرادة جموع المصريين هـذه المرة والإساءة لها والاستعلاء عليها. الأول أن الحفاوة بإسقاط مبارك في فبراير ٢٠١١ تعلقت بمبارك أكثر مما تعلقت بالإرادة الشعبية للمصريين.  ففضلا عن كراهية المصريين له، كما تجلت في النهاية في الإطاحة به، كان الرئيس المصري السابق محط كراهية الشارع العربي لأسباب عديدة. منها خاصة موقفه من حصار غزة (والهجوم الإسرائيلي عليها في ٢٠٠٩) واعتباره في نظر الكثيرين (ولأسباب معقولة) أحد المنفذين الأساسيين للسياسية الأميركية في المنطقة.

كان ثمة ائتلاف من الكارهين إذن لمبارك. فلما ثار المصريون ضده بارك الكارهون إسقاط من قامت ضده الثورة وليس بالضرورة عزيمة وإرادة من ثار.  وتبدى ذلك حين تجلت تلك العزيمة وتلك الإرادة مجددا خلال أحداث الأسبوع المنصرم في رفض جر البلاد لحرب أهلية، ورفض الفقر المدقع في القدرة على إدارة البلاد، ورفض العودة لطرائق حكم من العصور الوسطى. فما كان من ائتلاف كارهي مبارك إلا أن نعتوا المصريين بالغوغاء، وغياب الإرادة (يحركهم المال وشاشات التليفزيون) وسلوكهم بالبلاهة.

فإن كان الأمر متعلقا بمبارك في الماضي، ولما لم يعد مبارك جزءا من المشهد الآن، فما سبب تطوع كثيرين بنقد منحى الإرادة الشعبية المصرية الآن؟ أحد جذور ذلك في ظني أن الكثيرين متشربون بالخطاب (والمشروع) الإسلامي، والذي يرى غاية الحكم في إرضاء الرب بدلا من الشعب، أو على حساب الأخير. فكثير من هؤلاء نما وعيه السياسي ضمن أحلام ووعود مشروع إسلامي للحكم، ولم يتحملوا أن يتضعضع بنيانهم هكذا على عجل، كهياكل المومياوات، أمام أول هبة شعبية.

ومن ثم سيسمونه انقلابا. وهذا شأنهم. أما لماذا يميل المحللون الأجانب لمفهوم الانقلاب فهذا حديث لمداخلة أخرى.

أغلب المصريون فرحون، وفرحهم مستحق.  فإن أسماه البعض انقلابا، فغيرهم كثر يدركه كتعبير ثري عن إرادتنا الجمعية. فالأسماء ليست الأشياء. واكتمال تبلور تلك الإرادة لن يظهر إلا حين يترسخ مسار التحول الديمقراطي في مصر باتجاه وطن يرحب كل المصريين بغير تمييز من أي نوع.  وخلال ذلك الحين، إن أسموه "انقلابا" فليكن. وبه نباهي العالم.


الجمعة، 24 يوليو 2009

التحقيق الصحافي العلمي في الكتابة العربية

وليد الشوبكي

ورقة قدمت في اجتماع المنظمة العربية للعلوم والتربية والثقافة (ألكسو) للصحافيين العلميين | دمشق، سوريا
13 يونيو/حزيران 2009

في صباح السابع عشر من يونيو/حزيران بالعام 1972 تلقى صحافي شاب بصحيفة الواشنطن بوست مهمة تغطية ما بدا أنها حادثة سرقة في مقر الحزب الديمقراطي في واشنطن. لم يتحمس الصحافي كثيرا، وكان قد التحق بالـ "بوست" قبل ذلك بتسعة أشهر فحسب. ولكنه ذهب لمقر البوليس على أية حال. أثمرت هذه البداية المتواضعة ما قد يكون أعظم لحظات المجد في تاريخ الصحافة قاطبة. فبعد نحو عامين من التغطية لسلسلة الانكشافات التي بدأت بذلك اليوم من حزيران، اضطُر الرئيس الأميركي نِكسون للتنحي على أثر فضيحة الفساد التي اكتشفها وفصّلها بشجاعة ذلك الصحافي الشاب (بوب وودورد) وزميله (كارل برنستين). وكانا كلاهما في بدايات العِقد الرابع من العمر.

في العالم العربي، بالمقابل، نجد دورا أضعف للتحقيق الصحافي. وقد ذكر ذلك الصحافيُّّ المرموق محمد حسنين هيكل غير مرة بقوله أن ثمة غَلبة لصحافة الرأي في العالم العربي على صحافة الخبر. والمقصود أن ثمة نزوعا في العالم العربي لتدبيج مقالات الرأي بدلا من إنشاء المقالات المعتمدة على النقل الصحافي، أي التحاور مع ذوي الشأن في القضية محل النظر، ثم عرض الأراء المختلفة في تدرجها عبر طيف الألوان، وليس كصراع في ثنائية الأبيض والأسود.

وليست الصحافة العلمية استثناءً في زهدها في التحقيق الصحافي ونأيها عنه. فللكتابة العلمية (ولا أقول الصحافة العلمية) في العالم العربي رافدان: مقالات الرأي ومقالات التحليل المعتمدة على البحث أو الترجمة أو كليهما. أما الصحافة العلمية العربية، أي المعتمدة على التحقيق الصحافي (عبر عرض أراء آخرين) فدورها ضئيل. وغالبا ما يعتبرها الصحافيون مرحلة انتقالية "يضطرون" لخوضها في بدايات عملهم الصحافي، ثم يهجرونها لكتابة مقالات الرأي ما إن يتكون لهم شيء من رصيد الثقة لدى القراء. 

الثلاثاء، 28 أبريل 2009

حياتي مع "فيستا": من المناطحة إلى المصالحة

صارت الحواسيب – وأنظمة التشغيل التي تديرها – جزءً محوريا من حيواتنا. ولكنها ليست دوما الجزء الأسعد. ما يلي جانب من كفاح رجل أعزل على جبهة أنظمة التشغيل.

وليد الشوبكي | إسلام أونلاين

فكرت وقدرت، وترددت وتلعثمت، ثم في النهاية قررت أن أشتري حاسوبا بنظام "ويندوز فيستا". وكان ذلك قبل بداية ربيع العام 2007 بأيام قلائل. أما التردد فكان راجعا لما قرأت من تعقيبات صحافية وتحليلية حول نظام "فيستا" الذي أصدرته مايكروسوفت أوائل 2007. وكان الرأي الغالب أن "فيستا" بطيء وغير متوافق مع البرمجيات التي طُوّرت لسلفه "إكس بي"، وأنه يستهلك الطاقة الحاسوبية (للمعالج ولشريحة الذاكرة RAM) بنهم، ومن ثم فإنه يحتاج إلى عتاد حاسوبي ذي إمكانيات عالية.

السبت، 18 أبريل 2009

الحوسبة في حقبة ما بعد الحاسوب الشخصي

نستطيع تفسير أغلب التطورات الحديثة في ميدان تقنيات المعلومات بإرجاعها لثلاثة متغيرات أساسية. وفي كل منها زادت القدرة بينما انخفضت الكلفة: قدرة المعالجات الحاسوبية، سعة التخزين الرقمية، وسعة نقل البيانات عبر الشبكات (bandwidth). 


قد يبدو الأمر غير ذلك، ولكن ثمة قاسما مشتركا بين محرك البحث جوجل وظاهرة "الحوسبة الُموزّعة" (cloud computing) وشبكة "فايسبوك،" والنماذج الحاسوبية لتغير المناخ وهاتفك النقال وموقع "يوتيوب" والإصدار الأخير من نظام تشغيل "ويندوز". ذلك أن هؤلاء جميعهم يرتكزون في عملهم، أو في لب وجودهم، على الأثر الجمعي لثلاثة عوامل: تزايد كفاءة المعالجات الحاسوبية مع تراجع كلفتها (أو ما يُعرف بـ "قانون مور")؛ تزايد قدرة وسائط التخزين الرقمي مع انخفاض كلفتها؛ وارتفاع قدرة شبكات نقل البيانات (bandwidth) مع تناقص كلفتها.

الأربعاء، 31 ديسمبر 2008

مايكروسوفت وحقبة بل جيتس: كشـف حسـاب

إذ يغادر بيل جيتس منصبه التنفيذي على رأس مايكروسوفت ليتفرغ لمؤسسته الخيرية، فإنه يترك وراءه شركة تمس بمنتجاتها شتى أوجه حياتنا منذ سبعينيات القرن الماضي. ويُخلّف وراءه أيضًا مسألة الاحتكار التي تقض مضجع الشركة العملاقة منذ أوائل التسعينيات الماضية.

فسعيها الحثيث للمنافسة في ميادين عدة قد جعلها دومًاً محط انتقاد، وهدفًاً للدعاوى القضائية التي لا زالت بعض جولاتها تدور في أروقة المحاكم إلى الآن. فكيف بلغ جيتس قراره بالتنحي عن عرش مايكروسوفت في تلك الظروف؛ وما مستقبل عملاق البرمجيات بعد رحيله؟ هذا ما يكشف عنه هذا الملف عبر المحاور التالية:

- كيف صارت مايكروسوفت أكبر شركة برمجيات في العالم؟

- هل مايكروسوفت شركة احتكارية؟

- كيف يبدو مستقبل مايكروسوفت بعد رحيل جيتس؟

النصوص الرقمية ونهاية حقبة الورق

لهؤلاء الذين يخشون أن يكون انحسار المطبوعات الورقية نذيرًا بأفول الكلمة المكتوبة عامة، ثمة جيل جديد من التقنيات ربما يحمل لهم أخبارًا سعيدة.

للكتّاب ولعٌ مفهوم بالأسطر المنسابة على الورق. وهو ولع يشوبه القلق الناتج عن تراجع مستمر للكتب والمطبوعات الورقية عامة. ويلخص الصحافيّ المرموق محمد حسنين هيكل هذا الشعور في تصدير سلسلته "عمر من الكتب": "الكلمة المكتوبة على الورق باقية؛ والكلمة المسموعة على الإذاعة والتليفزيون عابرة؛ والكلمة المكهربة على الكمبيوتر فوارة، وهي مثل كل فوران متلاشية".

ولهذا القلق ما يبرره، ليس فحسب للكتّاب (الذين يكسبون من الكتابة رزقهم)، وإنما أيضا للمهتمين بدور الصحافة عامة. فالصحيفة الجيدة- كما قال المسرحي الأمريكي آرثر ميلر- "نتاج أمة في حوار مع ذاتها".

الجمعة، 21 نوفمبر 2008

خليج ما بعد النفط

تسعى ثلاثة من دول الخليج العربي، بفلسفات متباينة، إلى توطين العلوم على أراضيها بمشروعات تعاون وشراكة مع مؤسسات أكاديمية غربية، مستفيدة من ثروات نفطية متزايدة. فما فرص هذه المشروعات في النجاح؟

وليد الشوبكي[1]

في مايو/أيار الماضي عدّلت كلية الطب بجامعة كورْنل الأميركية تقليدا اتبّعته لأكثر من مئة عام. فعقدت احتفالين بتخريج دفعة جديدة من أطبائها، أولهما يوم الثامن في "المدينة التعليمية" على أطراف العاصمة القطرية الدوحة. والآخر يوم التاسع والعشرين بمدينة إثاكا على أطراف ولاية نيويورك، كما جرت العادة منذ العام 1898،.

بين حفل الدوحة ونظيره في نيويورك امتد فاصلا المكان والزمان: ما يربو على أحد عشر ألف كيلو مترا، وثلاثة أسابيع. ولكنهما يمثلان بالأساس حالة من التقارب بين مؤسسسات تعليمية وبحثية في الغرب (خاصة الولايات المتحدة) ودول عربية تسعى لإحداث قفزة في مؤسساتها التعليمية والبحثية. وأجلى مظاهر ذلك مبادراتٌ عربية ترتكز على ابتكار وتجريب مقاربات جديدة في التعاون والشراكة مع مؤسسات أكاديمية مرموقة.

تتمة المقال في "الحياة" اللندنية

ونسخة أطول على موقع إسلام أونلاين.


[1] تحاشيا لما قد يكون تعارضا في المصالح، يقرّ كاتب السطور بأنه حصل على منحة دراسية من "مؤسسة قطر" التي وردت بالمقال. ووَجب ذكر ذلك إعمالا للتقاليد الصحافية.