الخميس، 6 فبراير 2014

بين حكم القانون وحكم القانونيين

مقال نشر في شطرين على موقع الجزيرة نت أوائل فبراير ٢٠١٤.


لو انتهى بك التقافز بين محطات التليفزيون، ذات ليلة سَهداء، إلى حوار حول شأن من شؤون السياسة، فأغلب الظن أن أحد المتحاورين أو جميعهم من القانونيين—محامين أو أساتذة قانون أو قضاة سابقين. وتجلّى الحضور الكبير للقانونيين، ولا يزال، في النقاشات حول الدساتير وقوانين الانتخاب وحدود سلطات الحكم (التنفيذية والتشريعية والقضائية) التي أعقبت موجات الانتفاض الشعبي في الربيع العربي.

ولا عجب أن يحتل القانون (والقانونيون) مساحة واسعة فيما يدور من نقاشات. فقد برز من بين المطالب التي رفعتها الانتفاضات الشعبية إرساء حكم القانون. وانطوى هذا المطلب على طيف من الأمور، مثل استقلال القضاء، وترويض الأجهزة الشُرَطية، ولجم صلاحيات المسؤولين التنفيذيين، وحماية الحريات والممتلكات من نظم حكم جعلت القانون وسيلة للبطش، أو لتعزيز مصالح المقربين، أو لكليهما.

بيد أن السعي لحكم القانون أدى لما يشبه حكم القانونيين. والمقصود أن القانونيين، من محامين وأساتذة قانون وقضاة، ربما حازوا دورا استثنائيا في صياغة المشهد السياسي، وفي إرساء القواعد الجديدة للمُناخ السياسي للمستقبل. وهو دور يبدو متجاوزا حظوظ جماعات أخرى كالنقابات المهنية واتحادات العمّال، وعموم الأكاديميين، بل والأحزاب السياسية. ومن مظاهر ذلك، مثلا، أنك تجد حضورا غالبا للقانونيين في نقاشات مسودات الدساتير ومشاريع القوانين، لحد أن بدا وكأن الدستور شأن القانونيين، وليس تعاقدا (سياسيا) بين المنتمين لمجتمع معيّن. ومن ثم، فإنه لا يكاد يخلو برنامجُ تليفزيون من قانوني يعلق ويحلل أو يوصي ويحذر.

وفي كثرة من تلك المُحاورات تَوجّه جُل الاهتمام للتفاصيل اللغوية لمادة في دستور أو بند في قانون أكثر مما توجه للأبعاد السياسية التي يُرجَى من الصياغة القانونية أو الدستورية توثيقها. فبدت النقاشات أحيانا وكأنها مباريات بين متخصصي القانون (أو صَنَايْعِيَّة القانون بحسب تعبير شائع في العامية المصرية)، كل يبغي أن يَبُزّ الآخر باستدعاء مبدإ قانوني عتيق، أو بالاستشهاد بقضية شهيرة في تاريخ القضاء الفرنسي، أكثر من السعي لدعم أو دحض الوجاهة السياسية والمنطقية للقانون المعروض في ضوء مستجدات الواقع السياسي في تونس أو مصر أو اليمن.

وحين هلّت لحظة الانتخابات كان القانونيون، مجددا، أكثر من غيرهم إقبالا على الترشح. ففي الاستعدادات للانتخابات الرئاسية في مصر انتمى إلى جماعة القانونيين، من بين من أعلن عزمه الترشح أو تقدم للترشح في مصر، كل من عمرو موسى ومحمد البرادعي ومحمد سليم العوا وخالد علي وهشام البسطويسي وعبد الله الأشعل. وقُبَيل وبُعيد الانتخابات كان القانونيون (من محامين وقضاة) في الواجهة مع تصاعد الدور الذي لعبته المحكمة الدستورية العليا. إذ أصدرت الأخيرة قرارات عميقة الأثر في المشهد السياسي، مثل إبطال قانون العزل السياسي وإبطال قانون الانتخاب (ما أدى إلى حل مجلس الشعب)، وإبطال الإصدار الأول من قانون إنشاء لجنة الدستور، ولاحقا رفض قانون الانتخاب لمجلس النواب ورده لمجلس الشورى.

يفرض الدور المتعاظم للقانونيين سؤالين متصلين بمصير التحول الديمقراطي في بلادنا عقب الهزات الأولى للربيع العربي. أُولاهما، كيف اجتمع للقانونيين (خاصة المحاكم الدستورية) هذا الطيف من السلطات؟ أو بصياغة أخرى، لماذا قبلت السلطات الأخرى، كالتشريعية والتنفيذية، إسناد دور محوري في العملية السياسية للقضاة، وليس أي من هؤلاء الذين يعتلون المنصات في المحاكم منتخَبا أو معبِّرا مباشرةً عن الإرادة الجمعية للمواطنين؟ وأما السؤال الثاني، فإلى أي مدى يعزز الحضورُ الغالبُ للقانونيين، أو يعرقل، التحولَ الديمقراطي في مراحل الانتقال السياسي؟ في الفقرات التالية محاولة للإجابة على السؤال الأول ولإلقاء الضوء على الإشكالية التي يطرحها الآخر.




القانون ٤٨

في كلمته بنادي القضاة مساء العاشر من أكتوبر في العام ١٩٧٩ ضمن الاحتفال السنوي بيوم القضاة، تناول الرئيس المصري أنور السادات، كدأبه في أحاديثه العامة، أمورا عديدة تتصل بالشأنين الداخلي والخارجي. فعرج على أزمة المواصلات في القاهرة، والدعم الحكومي للسِّلع ("مشكلتنا الأساسية" بتعبير السادات)، وفاخر بباب الحقوق والواجبات دستور ١٩٧١ الذي صِيْغ على عيْنِه (فوصفها بأنها "أروع من أي حقوق في التاريخ")، وأثنى على رئيس وزرائه، وهاجم من أثاروا الشكوك حول استرداد مصر باقي أراضيها من إسرائيل وفق معاهدة السلام، ودافع عن المعاهدة، ونفى احتواءها بنودا سرية، وأكد على يقينه بأهمية "سيادة القانون" وكرر على مسامع الحضور الشعارين الأثيرين لديه، "العلم والإيمان" للدولة، ولرئيس الجمهورية "الحق والقوة." لإبراز إيمانه بسيادة القانون، قال السادات: "ثقوا أنه لا قرار طرد الخبراء السوفيت، ولا قرار [حرب] أكتوبر، ولا إلغاء المعاهدة السوفيتية، ولا المبادرة [لبدء السلام مع إسرائيل] ولا … معاهدة السلام؛ لا أعتز بأي قرار من هذه القرارات بقدر اعتزازي بإعلاء سيادة القانون وتوفير الأمن والأمان لكل مواطن."

في تلك الكلمة، التي نشرتها كاملة صحيفة الأهرام صبيحة اليوم التالي في ثلاث صفحات غير متتابعة، لم يذكر الرئيس شيئا عن المحكمة الدستورية العليا، والتي أدى أول طاقم لها اليمينَ القانونية أمام السادات صباح يوم الاحتفال (ولا ذكرتها الأهرام، التي لم تُشِر للمحكمة الجديدة في أي من صفحاتها العشرين لذلك اليوم إلا في تعليق على صورة بإحدى الصفحات الداخلية). وكان قانون إنشاء المحكمة قد صدر قبل ذلك بنحو شهر ونصف الشهر— القانون الثامن والأربعون للعام ١٩٧٩. وبدأت المحكمة عملها في العام التالي.

بيد أن البداية الخافتة للمحكمة الدستورية العليا لن تلبث أن تتحول لقرارات صاخبة في المشهد السياسي في مصر. فخلال العقدين التاليين لنشأتها، أصدرت المحكمة قرارات تعلقت بالحقوق السياسية للمواطنين، وبصلاحيات السلطة التنفيذية، بل وببُنى النشاط الاقتصادي، كما يوثق الأكاديمي تامر مصطفي في كتابه عن المحكمة الصادر في العام ٢٠١٠.

فخلال عهد الرئيس حسني مبارك، أدت قرارات المحكمة بشأن دستورية القوانين إلى حل مجلس الشعب مرتين (مجلس ١٩٨٤ ومجلس ١٩٨٧)، وإلى تقييد قدرة رئيس الجمهورية على إصدار قرارات ذات سلطة القانون (١٩٨٥). وأتاحت فرصةَ الترشح مجددا للساسة الذين حرمهم من ذلك قانون صدر في العام ١٩٧٨ وعَزَلهم سياسيا (١٩٨٦). وأضعفت سلطةَ لجنة الأحزاب بتوفير سبيل للاعتراف رسميا بالأحزاب الناشئة يلتف حول موافقة اللجنة (١٩٨٨). وفرضت إعادةَ النظر في القوانين الحاكمة للعلاقة بين مُلّاك العقارات ومستأجريها (١٩٩٥). وسمحت للحكومة بالمضي في برنامج خصخصة الشركات التي امتلكتها الدولة سابقا، وذلك عبر إقرار قانون مررته الأغلبية النيابية للحكومة في العام أوائل التسعينيات (١٩٩٧).

فَعَلامَ اتّكأت المحكمة الدستورية العليا في قراراتها ومِمَّ استمدت سلطتَها؟ ينص قانون إنشاء المحكمة على أن المحكمة "تختص دون غيرها" بالرقابة على "دستورية القوانين واللوائح" و"تفسير نصوص القوانين الصادرة من السلطة التشريعية" وكذا القرارات المتمتعة بقوة القانون التي يصدرها رئيس الجمهورية؛ و"يجوز للمحكمة أن تقضي بعدم دستورية أي نص في قانون أو لائحة يعرض لها."

على أثر هذا التفويض بتقييم دستورية القوانين وتوحيد تفسيراتها، حازت المحكمة سلطة لم يسبق لمحكمة مصرية أن حازتها. فمحكمة النقض، الدرجة العليا في محاكم التقاضي (أو ما يُسمى "القضاء الطبيعي") ليست مخولة بالنظر في دستورية القوانين أو توحيد تفسيراتها، وإنما تنظر في مدى اتساق الحكم في قضية معينة مع القانون المعمول به. ومجلس الدولة (بمحاكمه الإدارية)، ثالث أركان النظام القضائي المصري، لا ينظر إلا في المنازعات بين المواطنين على طرف والدولة أو الحكومة وأجهزتها على الطرف الآخر. أما المحكمة الدستورية العليا فقد أسس قانونُها قدرتَها على تلقي الإحالات، من المحاكم الأخرى، التي يقول أحد المتنازِعين فيها بعدم دستورية قانونٍ مما أَقرَّ البرلمان، أو قرار مما أصدرت الحكومة أو أصدر رئيس الجمهورية.

أسهم في بروز المحكمة خلال تلك الفترة انسداد آفاق التغيير عبر قنوات السياسة. فالحزب الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) اطمأن ليقينه بتحصيل الغالبية في البرلمان عبر تزوير الحكومة الانتخابات وسجن المعارضين وتقييد حرية الأحزاب، وغيرها من وسائل القمع. أما تداول السلطة، فانعدمت فرصه أو كادت بسبب غياب الانتخابات على منصب الرئيس والاكتفاء باستفتاء، تُسخَّر لتسويقه أغلب موارد الدولة وإعلامها، وكذا لغياب حد للمدد الرئاسية.

أمام هذه العراقيل، وفرت المحكمة الدستورية العليا للمعارضة، من أفراد وجماعات، مسلكا لمقارعة النظام الحاكم ولتوهين قبضته على سلطة التشريع، ومن ثمّ على الحياة السياسية عامةً. وخلال برهة قصيرة في عمر القضاء المصري، صارت المحكمة بؤرة اهتمام الساسة والناشطين بسبب سلطتها في إبطال القوانين (من البرلمان) أو اللوائح الإدارية (من الحكومة) التي تبدو مناقضة لنص الدستور أو غير متسقة معه. وكان ذلك دستور ١٩٧١.

وربما فاجأ النظامَ الحاكمَ أن المحكمة لم تتمهل طويلا قبل أن تنظر في قوانين عميقة الأثر في الحياة السياسية، خاصة ما تعلق منها بالحدود بين سلطات الحكم، التشريعية والتنفيذية والقضائية. وكذلك لم ينته نظر المحكمة عند القوانين الجديدة، إذ قبلت الطعونَ حول دستورية قوانين من عهدي الرئيسين السابقين.

ففي مايو من العام ١٩٨١ (بعد أقل من عامين من بدايتها) قضت المحكمة ببطلان بنود من قانون من العام ١٩٦٣ (عهد الرئيس عبد الناصر) أتاح للدولة الاستحواذ على ممتلكات خاصة، وآخر من العام ١٩٧٤ (عهد السادات) كان قد ضيق حدود التعويض الذي حصل عليه المتضررون من تلك الاستحواذات. وفي العام ١٩٨٣ أبطلت المحكمة قانونا أدى لحلّ نقابة المحامين، ما أعاد النقابة للحياة. وعدّ الكثيرون قرار المحكمة وِجَاءا ضد هجمات النظام الحاكم على النقابات المهنية.

وفي مايو من العام ١٩٨٥ أبطلت المحكمة قانونا من العام ١٩٧٩ أطلق سلطة الرئيس في إصدار قرارات ذات قوة القانون. ونبهت المحكمة إلا أن تلك السلطة محكومة في أحوال الطوارئ بغياب البرلمان، وبوجوب عرض تلك القرارات/ القوانين على البرلمان لدى انعقاده.

نعم للقضاة … لا للنواب

خلال الثمانينيات والتسعينيات، حين تنامى دور المحكمة الدستورية العليا في الحياة السياسية في مصر، بزغت، في دول عديدة، المحاكم المخوَّلة بالرقابة على دستورية القوانين التي تبثها المجالس النيابية. من بين مَن رصد هذه الظاهرة الأكاديمي توم جنزبرج، في كتابه الصادر في العام ٢٠٠٣ عن الرقابة القضائية على التشريع في الديمقراطيات الناشئة.

يقول جنزبرج إن موجة التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي صاحبها إقبال على إنشاء محاكم تراقب وتقيم دستورية القوانين. ومن أمثلة هذه الدول بلغاريا التي أسست الإشراف القضائي/الدستوري على القوانين في العام ١٩٩١ وكرواتيا (١٩٩٠) والمجر (١٩٩٠). ومن خارج أوروبا، البرازيل (١٩٨٨)، وتشيلي (١٩٨١)، وجواتيمالا (١٩٨٥)، وكوريا (١٩٨٨)، ومنغوليا (١٩٩٢)، وناميبيا (١٩٩٠).

ويثير ذلك الشغف باستحداث محاكم دستورية (أو مؤسسات قضائية بأسماء أخرى تتيح الإشراف القضائي على دستورية القوانين) مسألة اتساق ذلك التخويل للمحاكم مع المفهوم الشائع للديمقراطية. فالديمقراطية في جوهرها حكم الشعب للشعب. واستقر العرف السياسي على أن أفضل السبل لبلوغ هذا الهدف يكون بأن يختار المواطنين ممثلين عنهم ليسنوا القوانين الضرورية لتسيير أمور المواطنين. وبذلك تكون المجالس النيابية معبرة عن الإرادة الجمعية للمواطنين.

وقد عُرف ذلك، في أعقاب الثورة الفرنسية في العام ١٧٨٩، باسم "السيادة البرلمانية،" بمعنى أن البرلمان، كمعبر عن الإرادة الجمعية للمواطنين، يحتكر إصدار القوانين، ولا يخضع لغيره في صياغة القوانين أو تعديلها. فالتشريع وظيفة البرلمان الأصيلة التي لا تنازعه فيها، ولا تخصم منها، سلطة أخرى.

كان ترسّخ مفهوم السيادة البرلمانية سبب إدبار كل الديمقراطيات الغربية تقريبا عن توجه الرقابة القضائية/الدستورية على دستورية القوانين، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، رغم بزوغ المبادرات الداعية لاستحداث محاكم دستورية. فقد رأوا أن منح القضاة (وليس أي منهم منتخبا) تلك السلطة جعلهم في مرتبة تفوق المجالس النيابية. وهو ما بدا متعارضا مع حكم الشعب لنفسه عبر الديمقراطية النيابية.

وذهبت بعض الدول لأبعد من ذلك. فحظرت فرنسا صراحةً في قانون صدر في أغسطس ١٧٩٠ أي إشراف قضائي على قوانين البرلمان أو قرارات الجهاز التنفيذي. وكانت الولايات المتحدة الاستثناء الوحيد، إذ بدأت الرقابة القضائية على القوانين في العام ١٨٠٣ (وهي استثناء أيضا في وصول بعض القضاة لمناصبهم بالانتخاب، ولكن ليس قضاة المحكمة العليا من هؤلاء).

ثم انقلبت الدنيا وتوجبت إعادة النظر مع انفجارات الحرب العالمية الثانية. أبدى صعود هتلر، ثم النتائج الكارثية على العالم لهذا الصعود، مشكلتين في الديمقراطية النيابية. الأولى أن الديمقراطية النيابية، ورغم نزاهة الانتخابات، قد تاتي بزعماء يقوضون الممارسة الديمقراطية.

فقد صعد هتلر ليصبح المستشار الألماني بعد انتخابات يوليو ١٩٣٢ والتي أحرز حزبه فيها، الحزب النازي، نحو خمسي الأصوات. والمشكلة الأخرى أن الديمقراطية النيابية بدت غير قادرة على حماية حقوق المواطنة للجميع لو أصرت أغلبية برلمانية على تمرير قوانين تخصم من حقوق إحدى الأقليات أو تلغيها. ومن ذلك مثلا ما عُرف بقوانين نورمبرج، التي أعلنها هتلر في في سبتمبر ١٩٣٥. كانت تلك القوانين موجهة بالأساس ضد اليهود، ولكنها شملت لاحقا السود و"الروما." وحظرت القوانين التزاوج بين المنتمين لهذه الجماعات والمنتمين للجنس الألماني. كما قيدت قدرتهم على الانخراط في النشاط الاقتصادي، وميزت ضدهم في النوادي العامة وأمام القضاء.

صدمت كوارث الحرب العالمية الثانية وعي قادة أوروبا، خاصة مع ما انكشف لاحقا عن معسكرات الاعتقال الألمانية لليهود. ونما إدراك جديد بأن ثمة حاجة لضمانةٍ بأن لا يُترك للبرلمانات والديمقراطيات النيابية الحبل على الغارب. فانضمت دول أوروبية لمعسكر الرقابة القضائية على التشريع. من ذلك أنْ استحدث دستور ألمانيا الغربية في العام ١٩٤٩ المحكمة الدستورية الفيدرالية. ثم توسعت سلطات المحكمة لدى توحد شطري ألمانيا في العام ١٩٩٠.

وفي فرنسا، معقل المناهضين للرقابة القضائية على التشريع، أقر دستور الجمهورية الخامسة، دستور ١٩٥٨، مبدأ الرقابة، واستحدث "المجلسَ الدستوري" للقيام بالمهمة. والمجلس محكمة مختصة بتقييم دستورية مشاريع القوانين قبل إقرارها (ولاحقا، بعد التعديلات الدستورية في يوليو ٢٠٠٨، بعد دخولها حيز الممارسة).

واتخذت تلك الدول، وغيرها، ممن أضافوا محاكم دستورية لهياكلهم القضائية، تدابير لتخفيف الأثر "غير الديمقراطي" للإشراف القضائي على التشريع—والمتمثل في حقيقة أن لمسؤولين غير منتخبين، القضاة، الكلمة النهائية على قوانين وقرارات المسؤولين المنتخبين، كالنواب ورؤساء الدول. ومن أهم تلك التدبير أن تعين الجهات المنتخبة، كالمجالس النيابية ورئاسة الجمهورية، أعضاء المحكمة.

فضلا عن ذلك، حددت القوانين المؤسسة للمحاكم الدستورية آلية ضيقة لتصعيد القضايا والقوانين قبل إخضاعها للرقابة الدستورية. ففي فرنسا مثلا، لا ينظر المجلس الدستوري في مشاريع القوانين إلا حين تستوفي نسبة معينة من توقيعات أعضاء مجلس النواب، أو لدى تقديمها من رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو رئيس مجلس النواب. والهدف من ذلك جعل الرقابة القضائية على القوانين آلية رد فعل. فلا يقرر المجلس أي القوانين يرغب في النظر في دستوريتها، وإنما يستجيب فقط عندما تُصعد إليه القوانين وفق آليات محددة. ويكون التصعيد دوما (في الحالة الفرنسية) من ممثلي الشعب— ومنذ تعديلات يوليو ٢٠٠٨ من محكمة النقض و"مجلس الدولة" (القضاء الإداري).

وكما الحال مع أغلب المحاكم الدستورية، لم يستغرق الأمر طويلا قبل أن تتحول البدايات الخافتة للمجلس الدستوري في فرنسا لقرارات صاخبة. فبينما لم يُحَلْ للمجلس في سنواته الخمس عشرة الأولى سوى تسعة قوانين، تكاثرت الإحالات للمجلس بين ١٩٧٤ و ١٩٨١ بسبعة أضعاف ذلك. واستمر المنحنى صُعُداً في العقود التالية. مسّت قرارات المجلس في تلك الآونة مناحي هامة في الحياة السياسية والاقتصادية للفرنسيين، كما تبدى في إبطال قانون لتأميم الصناعات والمؤسسات المالية (١٩٨١)، وآخر لتوفير حصص مُسَمّاةٍ للأقليات في مجال العمل والتعليم (١٩٨٢)، وثالث يرفع سقف الضرائب على الدخل (٢٠١٢)، من بين أمثلة عديدة.

فإن كانت الديمقراطيات العريقة قد أقرت مبدأ الرقابة القضائية/الدستورية على التشريعات من باب لجم نزوات الأغلبيات البرلمانية المتبدّلة، فماذا حدا بأنظمة الحزب الواحد أو الحزبية الشكلية إلى إنشاء محاكم لذلك الغرض؟ لماذا أنشأ نظام السادات محكمة تُوهن من قبضته على التشريع؟ ولماذا "تحمل" مبارك قرارات المحكمة خلال التسعينيات والتي كان أغلبها يحمي حقوق المواطنين من بطش النظام وحِيَله؟

يصعب الوقوف يقينا على إجابات لهذه الأسئلة. بيد أن ثمة تحليلات ذات وجاهة سيقت لتفسير سلوك السادات ومبارك. عن سبب إنشاء المحكمة الدستورية، يرى تامر مصطفى (الأكاديمي بجامعة سايمُن فريزر الكندية) أن الأزمة الاقتصادية العميقة في السبعينيات خلقت حاجة لتطمين المستثمرين الأجانب بأن أموالهم وشركاتهم لن تخضع للتأميم. وكان الاقتصاد المصري في تراجع بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣. ثم تفاقَم الأمر إذ منعت الدول العربية النفطية الدعم عن مصر بعد توقيع الأخيرة معاهدة السلام مع إسرائيل في العام ١٩٧٩. ومن ثم، بدت المحكمة الدستورية المتمتعة باستقلالية، رغم تقييدها النسبي لحرية الحزب الحاكم، أفضل ضمانة للمستثمر الأجنبي المتخوف من إمكانية تأميم الدولة لأمواله أو الاستحواذ على ممتلكاته، كما حدث في عهد الرئيس عبد الناصر.

أيضا وفرت المحكمة الدستورية ما بدا أنه معارضة محدودة الكلفة على النظام. يرى الأكاديمي سامر سليمان (الذي غيبه الموت شابّاً) أن نظام مبارك وإن لم يسعَد بقرارات المحكمة، فإنه حفظها لأنها وفرت له نقطة التقاء مركزية للمعارضة السياسية. فقد فضل النظام أن تعبر المعارضة عن سخطها على قوانين الحكومة أو تُنازِعُها عبر فضاء المحكمة الدستورية، وليس عبر تعبئة سياسية بين الجماهير.

ثم إن المحكمة بدت غير راغبة في الدخول في مصارعة مباشرة مع النظام الحاكم، فتحاشت إبطال قوانين محورية لبقائه. فقد أيدت المحكمة دستورية قانون "الطوارئ" وآخر سمح بإحالة مدنيين للمحاكمات العسكرية، رغم تناقضهما البادي مع باب الحقوق والوجبات في الدستور (دستور ١٩٧١).

كانت المحكمة الدستورية، إذن، ذات نفع لكل من النظام الحاكم والمعارضة والناشطين السياسيين قبل انتفاضات الربيع العربي. فخلعت على النظام شرعية في أعين المستثمرين، وركزت المعارضة في ساحة واحدة يتيسر نسبيا التعامل معها مقابل توسع ساحة المعارضة في احتجاجات شعبية أو غضب جماهيري. أما بالنسبة للمعارضة والناشطين السياسيين، قدمت المحكمة سبيلا فعالا لمنازعة وتقويض قوانين الحزب الحاكم وممارساته، خاصة في ظل القيود الثقيلة على الحياة الحزبية.

ولكن مع انفراج الأفق السياسي مع الهزات الأولى للربيع العربي، وعودة السياسة للشوارع والمقاهي وواجهات الصحف والأبنية، إلى أي مدى تعزز، أو تعرقل، المحاكم الدستورية التحول الديمقراطي المُبتغَى؟



السياسة … عبر ساحات القضاء

عندما استقر الرأي على إنشاء المجلس الدستوري ضمن مشروع دستور ١٩٥٨ في فرنسا، رفض شارل ديجول النموذج الأميركي—وحيث يَحْظُر عزل قضاة المحكمة العليا، فيبقون في مناصبهم حتى يقرروا التقاعد—وفضل أن يُعيَّن القضاة لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، وهو ما أُقِر في الدستور النهائي الذي استفتي عليه الفرنسيون في أكتوبر من ذلك العام. وعَقّب الرجل، الذي صار رئيس فرنسا بعد إقرار الدستور بثلاثة أشهر: "لا نريد حكومة قضاة."

لا يزال هذا التخوف من حكم القضاة قائما، في الديمقراطيات الناشئة والعريقة على السواء. فخلال العقود الثلاثة الأخيرة صدرت قرارات من المحاكم الدستورية ذات أثر عميق على الحياة السياسية والاقتصادية بل ومسائل الهوية. مثلا، أصدرت المحاكم الدستورية قرارات تبطل أو تقر حرية الإجهاض في الولايات المتحدة (١٩٧٣) وألمانيا (١٩٧٥ و١٩٩٢) وإسبانيا (١٩٨٥).

ويُظهِر ذلك انخراط المحاكم الدستورية في قضايا خلافية، ومجتمعية، يكاد يستحيل حسمها بقرارٍ من القضاء. ففي الولايات المتحدة، مثلا، ورغم مرور أربعة عقود على قرار المحكمة العليا بجواز الإجهاض، لا يزال الأمر خلافيا حتى اليوم بسبب أبعاده الدينية والأخلاقية. ثم إن الولايات التي يغلب عليها المزاج المحافظ دينيا تعرقل قرار المحكمة على مستوى التطبيق.

ويصح القول إن تعاظم دور الرقابة القضائية/الدستورية على التشريع راجع بقدر غير يسير للتفويض الذي يؤدّيه الساسة للمحاكم الدستورية. فأغلب المحاكم الدستورية مقيدةٌ فيما تنظر من قضايا، فتُقَيِّم فقط دستورية ما يصلها من قوانين أو قرارات تنفيذية، وليس ما تتخير. ومن ثم فإن الساسة يقررون في أحايين أن لا يتخذوا المواقف والقرارات التي قد تكلفهم سياسيا، ويخولون المحاكم الدستورية لتقرر. من الأمثلة الموثقة على ذلك دعم حكومة الرئيس الأميركي أيزنهاور للمحكمة العليا أواسط خمسينيات القرن الماضي في نظرها لقضية الفصل العنصري بين البيض والسود في ولايات الجنوب، مفَضّلةً ذلك على اتخاذ إجرات تنفيذية في هذا الشان بغير حكم قضائي فتكون الكُلفة السياسية باهظة.

ويختلف الحال في الدول غير الديمقراطية. فلجوء جماعات المعارضة والناشطين السياسيين للمحكمة الدستورية في مصر، مثلا، لحماية حقوق المواطنين ولكبحس تغوّل السلطة التنفيذية لم يكن خيارا من بين عدة. وليس من شك في أن المحكمة الدستورية، و"الشبكة الداعمة لها" (بتعبير أحد الأكاديميين) من قانونيين وحقوقيين وناشطين في المجتمع المدني، قد حالت دون وقوع الأسوأ، فيما يتعلق بانتهاكات النظام، خاصة خلال التسعينيات.

بيد أن اللافت أن الواقع السياسي الذي ماج واضطرب باهتزازات الربيع العربي لم يغير أفكار البعض (خاصة ممن كانوا في شبكة دعم المحكمة الدستورية في السابق) بشأن ضمان وتوفير الحقوق للمصريين. فاستمر، وربما يستمر، اللجوء بغير توان للمحكمة الدستورية لفض المنازعات السياسية. هنا يجوز وصف الأمر بما يتجاوز التفويض. فهو في وجه من أوجهه تَخَلٍّ عن المسؤولية التي أولى الناخبون للساسة الذين يولّون، بدورهم، وجوههم جهة المحكمة الدستورية كلما ضاقوا بأزمة سياسية.

اللجوء للمحاكم الدستورية مشروع، بل ومفروض، حين يُخشى أن يسعى الساسة الذين وصلوا لمناصبهم بالأغلبيات الانتخابية لتغيير قواعد العملية السياسية أو الافتئات على حقوق إحدى الأقليات. من ذلك مثلا لجوء المعارضة في البرلمان الفرنسي للمجلس الدستوري لإبطال قانون للرئيس هولاند (وحزبه الاشتراكي) يرفع الضرائب على الدخل إلى حد أقصاه ٧٥٪.

أما أن تصير المحكمة الدستورية الوسيلة الأولى، أو الوحيدة، لممارسة السياسة، فهذا ينطوي على خطرين، خاصة في البلدان ، كبلداننا، التي تمر بانتقال سياسي يؤمل أن يثمر تحولا للديمقراطية. أولهما أن السعي لاستصدار قوانين تؤطر أو تشكل العملية السياسية قد ينتهي إلى جمود يعرقل التحول الديمقراطي، والذي يحتاج بطبيعته لهامش عريض من المرونة والتجربة والخطأ. فمن طبيعة الانتقال السياسي أن كل جماعة سياسية (كالعمال، مثلا) تنخرط أولا في تقييم مصالحها، وحضورها في الشارع السياسي، ثم حضور القوى الأخرى، قبل أن تقبل بقواعد حاكمة للجميع تنظم الممارسة السياسية. أما المسارعة بتقييد تلك العملية بقواعد عجلى، فربما يكون ضرره أكبر من نفعه. مثلا، سواءا كان حل مجلس الشعب في يونيو ٢٠١٢ صائبا أم غير صائب من الزاوية القانونية المحضة، لو نظرنا الآن للأمر باعتبار كل ما جرى، هل كان السعي لاستصدار حكم قضائي بشأن قانون الانتخاب صائبا؟ هل كانت تبعات حل البرلمان في صالح العملية السياسية الوليدة؟

الحكم القضائي، والقانون عامة، لغة قواعد، تحدد ما يجب وما لا يجب. أما السياسة فلغة تفاوض، تبحث في سبل مصالَحَة مصالِح شتى، ومتعارضة، عبر حلول تَوَسُّطِيّة، تحاشيا لحل الخلافات بالعنف. وهي، من ثم، تعتمد على الأخذ والرد والتوسط والتنازل والتوافق الجزئي أو المرحلي بين أطراف النزاع، ثم الأخذ والرد والتوسط والتنازل والتوافق الجزئي مجددا. وليست تطمح، حين تحسن ممارستها، لحلول نهائية، أو لانتصارات حاسمة، كتلك التي يتخيلها هؤلاء الذين يسرعون إلى التقاضي حول كل شأن سياسي قبل تقييم البدائل. بيد أن القانون والسياسة ليسا نسيجين منفصلين. فالأول امتداد الثاني، بمعنى أنه توثيق للقواعد التي يتفق عليها اللاعبون السياسيون، من جماعات وأفراد.

والخطر الآخر في التمادي في تفويض المحاكم الدستورية لحل المنازعات السياسية أن هذا قد يضعف الأحزاب الناشئة. فالأحزاب تنمو معتمدة على ثلاثة عناصر رئيسة: فلسفة سياسية تجتذب جموعا من المريدين والمؤيدين؛ قدرة تنظيمية تضمن ولاء المريدين في أوقات الانتخابات وقادرة على تعبئتهم؛ والقدرة (أو ما يبدو أنه القدرة) على التأثير على أولويات السياسات العامة للدولة، عبر برلمانيين وتنفيذيين ذوي بوصلة لا يحيد شمالُها عن فلسفة الحزب. ثم لا بد من توافر المهارة في التعبير عن تلك الفلسفة في المنتديات السياسية والعامة. والأمر كذلك، فإن بناء الأحزاب عمل تراكمي يستغرق أعواما أو عقودا، ويتطلب جَلَدا وانضباطا.

فإن بدا ممكناً قطف ثمار العمل الحزبي الجاد دون الحاجة للجلد والانضباط، عبر اللجوء للمحاكم الدستورية، فما حافز الأفراد للانضمام لعضوية الأحزاب أو الاستماع لقادتها. وأي حافز للعمل الحزبي الطويل إن أمكن، مثلا، إسقاط برلمان بناءا على تفاسير قانونية ضيقة؟ سيختلف القانونيون—ومنهم هؤلاء الذين تعبر بهم في تقافزك المؤرَّق بين محطات التليفزيون—حول وجاهة هذا القرار أو ذاك من قرارات المحكمة الدستورية. ولكن أغلب الظن، أو قل إنها الحقيقة المتجاوزة لتلك الخلافات، أنه كان ثمة بدائل لم تحظَ بما تستحق من نظر.