الاثنين، 20 أغسطس، 2012

عدالة الخطاب (أو في التحول من لغة الجماعة للغة الحزب الحاكم)


من واجبات الرئيس مرسي تجاه المصريين غير المسلمين أن يخاطبهم بخطاب يفهمونه ويعزز شعورهم بانتمائهم للوطن وللجماعة الوطنية الفاعلة.

وقد بدا من الرئيس غير ذلك في كل خطاباته الكبرى تقريبا -- خطابه الرئاسي الأول في جامعة القاهرة؛ خطابه في الأزهر بعد ساعات من إعلان التغييرات في قيادة الجيش، وخطابه في مسجد عمر و بن العاص بعد ذلك بأيام.  في تلك الخطابات، وبخاصة آخرها في مسجد ابن العاص، اعتمد بيان الرئيس، من حيث الصور والاقتباسات والإشارات التاريخية، على وجه الحصر تقريبا، على محتوى إسلامي.  فالاقتباسات الأخلاقية انحصرت في القرآن الكريم؛ والاستدلالات التاريخية تأتي من تاريخ المسلمين، من السلف والصحابة.

ويلقي ذلك النوع من الخطاب بضوء إيجابي على شخص السيد مرسي: فهو يتسق مع تربيته الإسلامية وطول عهده بجماعة "الأخوان المسلمون."  ومن ثم فهو مصبوغ بهـذا الخطاب، وربما لا يجيد غيره. خطابه، فيما يبدو، انعكاس أمين لشخصيته وتربيته. ومن الخير أن يكون لمصر رئيس يتسق خطابه مع بوصلته الأخلاقية. فيعرفه الناس على حاله، فينتخبونه مجددا إن استحسنوا ما عرفوا منه، أو يأتون بغيره في الانتخابات التالية.

ولكن ثمة بعدا سالبا لهـذا الخطاب يتعلق بمسؤوليات السيد مرسي كرئيس للجمهورية. ويتمثل ذلك في أمرين.  أولهما أن "المرجعية الحصرية" للإسلام (بيانا وتاريخا) في خطابات الرئيس المصري قد تنطوي على افتئات على قيمتي العدالة والمواطنة التي يسعى الرئيس، بإخلاص فيما يبدو، لترسيخهما.  فمن بين صور العدالة أن يكون خطاب المسؤولين الكبار في الدولة مفهوما وملهما ودالا لكل المواطنين على السواء، وبالمقدار ذاته.  وإذ أنه ليس من مطلوبات المواطنة  في مصر أن يقف المصري على تاريخ الإسلام والمسلمين، فإنه لا يتسق مع العدالة تجاه المصريين أن تكون خطابات رئيسهم أيسر فهما وأكثر إلهاما للبعض دون البعض (بغض النظر عن نسبة هؤلاء أو أولئك في مكونات المجتمع).

ففي أواخر الربع الثالث من خطابه بمسجد عمرو بن العاص يقول السيد مرسي"وتعلمون سهيل بن عمرو ... داهية السياسة ..."، بغير أن يلحظ أنه وإن كان  يخاطب الحضور في المسجد فإنه بوظيفته رئيسا للجمهورية إنما يخاطب دوما عموم مواطني بلده.  فإن كان بعض المصريين يعرفون سهيل بن عمرو، وبعضهم لا يعرفه، فذلك سبب كاف لأن تكون استدلالات الرئيس التاريخية، من باب العدالة بين عموم المواطنين، مفهومة وملهمة ودالة للجميع بغير تمييز.

وأما الوجه السلبي الآخر في خطاب الرئيس أن المرجعية الحصرية للإسلام في بيانه قد تنطوي على تمييز  طفيف ضد غير المسلمين قد يترجمه غير العقلاء إلى تمييز صارخ أو اضطهاد. فإلصاق أفضل الخصال (كالمروءة والشهامة والعدل وطلب العلم) بمسلمين من السلف والصحابة (كما فعل الرئيس حين تحدث عن صفات علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب في كلمة مسجد عمرو بن العاص) وإغفال ذكر تلك الفضائل مقرونة بغير المسلمين قد يؤدي لتعزيز التصور المتطرف لدى البعض بأن غير المسلمين لا يمكن أن يحوزوا الخصال الفاضلة، أخلاقيا وإنسانيا. وقد يتحول ذلك، في أسوأ الأحوال، لعنف ضد الآخر غير المسلم.

وليس الرئيس مرسي وحده من غاب انتباهه عما ينطوي عليه خطاب المرجعية الحصرية. فنائب رئيس حزب الحرية والعدالة (الحزب الحاكم الذي رشح الرئيس الحالي) يقول في "تغريدة" على موقع "توتير" ليست بريئة من التناقض:
أخطر ما دمره نظام مبارك هو النفوس والأخلاق وعلاج ذلك يتم بالقرآن ويحتاج الى صبر ومثابرة وقدوة حسنة يقدمها أهل القرآن ورجال الإسلام والمسيحية.

ويبدو في الشطر الأول من التغريدة أنه فات إدارك د. العريان أن من بين المتلقين والمهتمين (وهم عموم المصرين باعتبار موقعه في الحزب الحاكم للبلاد) من يدينون بغير الإسلام، فيدعو الجميع لعلاج نفوسهم وأخلاقهم بالقرآن. ثم يحاول المسؤول السياسي تدارك ما فاته في الشطر الثاني فيتحدث عن القدوة الحسنة من "رجال الإسلام والمسيحية."

وليس يغيب عن وعي كاتب السطور أن حزب الحرية والعدالة، كباقي الأحزاب والمؤسسات في مصر، حديث عهد بالديمقراطية وأنه لا يزال في طور النضوج. وأغلب الظن أن خطاب الحزب وقادته سيتطور مع مر الأعوام. ولكن بالمقابل، ليس من العدل أن يُطلب من غير المسلمين أن ينتظروا على حقهم في "عدالة الخطاب" لأعوام، خاصة مع الاحتقان القائم، والذي يتحول بين الفينة والأخرى لمواجهات دموية هنا أو هناك.

التحدي إذن أمام الحزب الحاكم ومسؤوليه الكبار (بل وكل المنتمين إليه) أن يتنبهوا لمسؤوليات عدالة الخطاب التي أنتجها تحولهم من جماعة (إسلامية/ مضطهدة/سرية) إلى حزب حاكم. فالمرجعية الإسلامية للجماعة (من حيث العقيدة والمنظومة الأخلاقية) يجب ألا تنعكس في "مرجعية حصرية" للإسلام وتاريخه في خطاب وبيان مسؤولي الحزب. كما أن عالمية وإنسانية الخطاب لا تتناقض بالضرورة مع المرجعية الإسلامية أخلاقيا وعقيديا، كما سيقول المنتمون للحزب والجماعة. وربما يكون من دلائل النضوج السياسي لحزب الحرية والعدالة استلهامه لخطاب إنساني أشمل، يقتبس من غاندي والبابا شنودة الثالث ومارتن لوثر كنج كما يقتبس من الصحابة والخلفاء الراشدين.