الجمعة، 17 أغسطس 2012

الليلة والبارحة في تغييرات مرسي


إلى التاريخ توجّهت أبصارٌ كُثُر لفهم ما فعل محمد مرسي عصر الثاني عشر من أغسطس/آب. فسارع البعض (مثل قناة "سكاي نيوز عربية" وغيرها) إلى تشبيه التغييرات في قيادة المؤسسة العسكرية التي أجراها الرئيس المصري بما فعل السادات عام 1971، حين تخلص بُعَيد تسلّمه السلطة، وبغير إراقة دماء، من أشخاص كانوا ذوي نفوذ في عهد سلفه.  وأوغل آخرون في الماضي بحثا عن مكافئ تاريخي لتغييرات مرسي. فأشار الأكاديمي سعد الدين إبراهيم إلى نكبة البرامكة (803) ومذبحة القلعة (1811)، وفيهما تخلص الخليفة هارون الرشيد ومحمد علي باشا، على التوالي، من تهديدات خصوم محتملين أو معلنين.

ولا مفر من الالتجاء للماضي لتفسير الحاضر. فالأحداث الكبرى بالضرورة متعددة العوامل ومتفاعلتُها، فضلا عن استحالة الوقوف يقينا على بعض مجرياتها، والتي تظل كامنة لأزمان في الصدور أو في مكتوم الوثائق.

مثلا، فيما يتعلق بتغييرات مرسي، ليس ممكنا في ظل الراوايات المتضاربة إلا التخمين بشأن التنسيق بين الرئيس وإدارة المجلس العسكري حول قرارات إحالة حسين طنطاوي وسامي عنان للتقاعد. هل اتخذ الرئيس قراره بالتشاور مع المجلس كله أم فقط مع هؤلاء الذين قرر ترقيتهم لإدارة الجيش ووحداته؟ أم أن نية ورغبة التغيير أتت من قيادات من داخل الجيش/المجلس العسكري ممن ساءتهم إدارة المرحلة الانتقالية خلال العام والنصف الماضيين؟ وما سبب الانصياع الكامل، والذي يكاد يكون مريبا، لقرارت مرسي، رغم الاعتقاد الشائع، والشواهد عليه، بأن "العسكر" لم يرغبوا أن يسلموا السلطة ويرحلوا في صمت؟ لهذه وغيرها من الأسئلة يكاد يستحيل توفير إجابات يقينية. فلا عجب إذن أن تبحث الأدمغة عن سوابق من التاريخ لتفسير الظواهر المعقدة في سلوك البشر، أفرادا أو جماعات، مما يستحيل تفسيره/فهمه إلا عبر تلك الحيلة.

وتخيُّر السوابق التاريخية – حين يحسن عقد التشابه بين الماضي والحاضر – لا يعين فحسب على فهم الحاضر، وإنما، وهذا أهم، على تقرير كيفية التعامل/ التفاعل مع مجرياته، لدى الأفراد والجماعات على السواء. والتدقيق في اختيار السابقة التاريخية لتفسير تغير في الحاضر، من ثمّ، أمر ذو أهمية بالغة لأنه قد يؤدي إلى قرار بإعلان حرب أو التأثير في أراء ساسة فاعلين على الساحة الدولية تجاه قضية أو خلاف.

فحين اكتشفت طائرات التجسس الأميركية في أكتوبر 1962 أن الاتحاد السوفياتي أدخل سرا صواريخ نووية إلى كوبا، الجارة الجنوبية (والشيوعية) للولايات المتحدة، كان على الرئيس كنيدي أن يتبني واحدة من سابقتين تاريخيتين ليحدد سلوكه تجاه التهديد السوفياتي. كان رأي جنرالاته أنه كان لابد من غزو كوبا لأن تلك الصواريخ، والتي كانت قيد التجميع وتوشك على الجهوزية للإطلاق، كانت تضع العاصمة الأميركية وأغلب المدن الأميركية الكبرى في مرماها. وذهب الجنرالات إلى أن أي تنازل أو توسط في الموقف الأميركي تجاه الاتحاد السوفياتي سيكون بمثابة استرضاء (appeasement) كذلك الذي حصل عليه هتلر من القوى الغربية، وخاصة بريطانيا، أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، ولم يزده ذلك إلا تجرؤا ونهما، لينتهى الأمر إلى كارثة الحرب العالمية الثانية بعد ذلك بنحو 6 سنوات.

وأما السابقة التاريخية الأخرى، والتي استدعاها الرئيس كنيدي ذاته وأخوه روبرت، وكان مستشارا للأمن القومي، فهو أن الحروب الكبرى، كالحرب العالمية الأولى، قد تنشب لا لظروف "موضوعية" وإنما نتيجة من الخوف المتبادل بين أطراف دفعها التصعيد إلى الحرب ولم تكن راغبة فيها، بل وكانت تود تحاشيها (وكان كنيدي الرئيس قرأ، ويكثر من الاقتباس، من كتاب صدر ذلك العام عن تاريخ الحرب العالمية الأولى، "مدافع أغسطس" للمؤلفة باربرا تَشمان).

كان الخيار إذن أمام كنيدي: أهي حرب عالمية ثالثة، نووية يمكن تحاشيها حتى لا تتكرر مأساة الحرب الأولى؟ أم هو غزو محتم لكوبا، حتى لو أدى ذلك لمواجهة مع الاتحاد السوفياتي رغم سوئها قد تكون ذات تبعات أخف مما لو قُدمت تنازلات للسوفيات تجعلهم أكثر نهما، وخطورة، كما كان مع هتلر؟ وانتهى الأمر إلى تبني الخيار الأول، وبتنازلات سرية للسوفيات بإزالة الصواريخ النووية الأميركية في تركيا خلال أمد محدد، وبغير أن يؤدي ذلك إلى خلق/تعزيز نوازع هتلرية لدى القادة الروس. وتحاشى الأميركان والسوفيات، والعالم، حربا كبرى أخرى.

المكافئ التاريخي إذن منظار نختاره لتبسيط عملية اتخاذ القرار في الحاضر. وتبدأ تلك العملية من لحظة تفضيل مكافئ تاريخي على سواه. والمقصود أنه إن كان الأمر حقا "ما أشبه الليلة بالبارحة" في شؤون التجمع البشري، فإن علينا أن نتأنّى في اختيار "بارحة" ذات وجاهة.

والأمر كذلك، ثمة ما يدعو لمساءلة دقة/وجاهة السوابق التاريخية التي استدعى الكتاب والمحللون. فثمة تمايز جوهري في السياق. فمحمد مرسي رئيس منتخب، وشرعية قراراته (وإن اختلفنا حول صلاحيتها) مؤسسة على شرعية توليه السلطة، خاصة إذا اتسقت تلك القرارات مع ممارسات الحكم الرشيد التي تعارفت عليها الأمم. وقد يُقال إن شرعية تولي الرشيد في القرن التاسع أو محمد علي في القرن التاسع عشر كانت قائمة، وإن اختلفت أدواتها عن أدوات هذا الزمان. ولكن ما قصدت أن أقول هو أن الرئيس مرسي، وإن بدا أنه يعطل خطرا محتملا على الرئاسة، فإنه لا يفعل ذلك حفاظا على حكم أسرة مقابل أخرى، أو طبقة نخبة مقابل أخرى، وإنما يفعله اتساقا، فيما يبدو، مع عرف انصياع المؤسسة العسكري للإدارة المدنية – العرف الذي انتشر خلال القرنين الماضيين، وتسارع خلال العقود الأربعة الأخيرة، في ربوع العالم.

ولو كانت تغييرات مرسي انحصرت في تغيير قيادات الجيش لكان ذلك سببا لتعزيز مخاوف المتخوفين من تغوّل سلطات الرئيس. ولكن قرارات ذلك اليوم من أغسطس شملت أيضا تعيين قاض، محمود مكي، نائبا للرئيس. وهو معروف بالنزاهة واستقلال الرأي. وهذا يقوي الظن بأن تغييرات مرسي كانت ترمي إلى إصلاح وترتيب مؤسسي لحكم أرشد أكثر منها محاولة لإحكام سيطرة قبضة "الأخوان المسلمون."

ومآل ما تقدم أنك تجد كتابا يشيرون بغير رويّة كافية، لسوابق تاريخية قد تكون مضللة لأنها ترسم صورة ذهنية عن المشهد السياسي قد تُزهِّد عموم الناس في السياسة. بينما الوقائع على الأرض، حتى الآن، تشي بجهود محمودة لإصلاح مؤسسي واسع (منها نقل التفتيش القضائي من الجهاز التنفيذي، الممثَّل بوزارة العدل، إلى المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما وصفه حقوقي بارز بأنه "أهم إنجاز حققته الثورة [المصرية] حتى الآن").